لم تعد الفخامة في الأعراس اللبنانية تُقاس بارتفاع كعكة الزفاف ولا بعدد المدعوين ولا بضخامة قاعة الاحتفال فالعروس اللبنانية اليوم تعيد كتابة قواعد يومها الكبير وتستبدل ثقافة “إبهار الناس” بفكرة أكثر عمقًا قوامها أن يكون الزفاف انعكاسًا صادقًا لشخصيتها وقصة حبها.
وعلى رغم الأزمات الاقتصادية التي أثقلت كاهل اللبنانيين خلال السنوات الأخيرة لم يخفت وهج الأعراس بل تغيّر شكلها وأولوياتها وبين الزفة التي لا تزال تشعل الحماس والدبكة التي تحافظ على نبض الهوية وبين الديكورات الهادئة والأماكن الطبيعية والتفاصيل المصممة بعناية يولد جيل جديد من حفلات الزفاف يجمع بين أصالة التقاليد وأناقة الحداثة.
-من استعراض الإمكانات إلى صناعة الذكريات:
عرف لبنان طيلة عقود أنه من أكثر الدول العربية احتفاءً بالأعراس الفاخرة حيث كانت الحفلات تمتد حتى ساعات الفجر ويشارك فيها مئات المدعوين بينما تتنافس العائلات على تنظيم أكثر الاحتفالات تميزًا من حيث حجم الصالة وفخامة الديكور وتنوع الموائد والبرنامج الفني.
أما اليوم فقد تغيّر المشهد بصورة واضحة فالعروس لم تعد تبحث عن أكبر احتفال بل عن أجمل تجربة وأصبح السؤال الذي يسبق كل قرار “كيف سأعيش هذا اليوم؟ وكيف سأتذكره بعد سنوات؟” فانعكس هذا التحول مباشرة على طريقة توزيع الميزانية.
وبدلاً من إنفاق مبالغ كبيرة على تفاصيل لم تعد أولوية بينها استضافة مئات المدعوين بدافع المجاملة أو حجز قاعات ضخمة أو تقديم بوفيهات مبالغ بها أو تنفيذ ديكورات هائلة لا تخدم سوى المظهر بات الأزواج يفضلون الاستثمار في عناصر أكثر قيمة على سبيل المثال جودة الضيافة والتصوير الاحترافي والإخراج البصري للحفل والإضاءة والموسيقى وتجربة الضيف منذ لحظة وصوله وحتى نهاية السهرة.
ومن أبرز التحولات التي يشهدها قطاع الأعراس في لبنان انتقال القرار من العائلة إلى العروسين ولا سيما العروس التي أصبحت صاحبة الكلمة الأولى في رسم تفاصيل يومها.
لم يعد الحفل يُبنى وفق ما تفرضه التقاليد أو توقعات المجتمع بل وفق شخصية العروس وهويتها فهي التي تختار لوحة الألوان ونمط الزهور وتصميم الدعوات وقائمة الموسيقى حتى أسلوب استقبال الضيوف.
وتوضح منظمة الأعراس مارينا عيسى أن كثيرًا من الأزواج باتوا يختارون عنوانًا خاصًا لحفلهم ليصبح خيطًا يربط جميع التفاصيل ببعضها فقد يحمل الزفاف طابعًا مستوحى من الطبيعة أو من السفر أو من البحر او السماء أو من حقبة زمنية معينة ثم تنعكس هذه الفكرة على الديكور وألوان الطاولات والشموع والهدايا حتى ملابس فريق العمل.
وتقول عيسى لموقعنا ان بعض العرسان يذهبون إلى تفاصيل أكثر ابتكارًا مثلا إطلاق اسمي العروس والعريس على المشروبات المقدمة خلال حفل الاستقبال أو تصميم ركن يحكي قصة تعارفهما بالصور أو إنشاء مساحة ترفيهية تضم ألعابًا بينها البيبي فوت والبليارد وكرة الطاولة والهوكي بما يحول حفل الاستقبال إلى تجربة تفاعلية يعيشها الضيوف لا مجرد مناسبة اجتماعية.
وفي حفلات أخرى تُخصص زوايا للأطفال مزودة بألعاب وأنشطة للرسم والتلوين بينما تتيح أكشاك رقمية للمدعوين تسجيل رسائل صوتية أو مصورة تُرسل مباشرة إلى هاتفي العروسين لتبقى ذكرى مميزة بعد انتهاء الحفل.
-حفلات أصغر وتجربة أكثر خصوصية:
وعلى رغم أن الأعراس الكبيرة لا تزال تستقطب شريحة واسعة من اللبنانيين فإن الأعراس المصغرة أصبحت من أبرز الاتجاهات في السنوات الأخيرة حيث يقتصر الحضور فيها على أفراد العائلة والأصدقاء المقربين بما يسمح للعروسين بالاحتفال في أماكن غير تقليدية مثلا حدائق الأعراس أو الفيلات التراثية أو المزارع أو المنتجعات الجبلية أو على شاطئ البحر…بعيدًا من القاعات الكلاسيكية.
وتلفت عيسى إلى أن الكثيرين من الأزواج أصبحوا يستغنون عن إقامة العشاء في المطاعم ويفضلون استئجار فيلا أثرية أو مساحة مفتوحة تمنح الاحتفال خصوصية أكبر وتتيح في الوقت نفسه تقديم تجربة راقية لكل ضيف.
وعلى رغم هذه التغييرات لا يزال بعض الطقوس التقليدية حاضرا بقوة مثلا “الخطيفة” أو إقامة كوكتيل بعد مراسم الزواج مباشرة أمام الكنيسة أو مكان عقد القران قبل الانتقال إلى مكان الاحتفال.
-وسائل التواصل مصدر إلهام لا مساحة للتقليد:
وتؤكد عيسى ان وسائل التواصل الاجتماعي اصبحت لاعبًا رئيسيًا في صناعة الأعراس لكنها لم تعد تدفع العرسان إلى تقليد حفلات المشاهير مثلما كانت عليه الاحوال سابقًا.
فالاهتمام اليوم ينصب على تصميم لحظات قابلة للتوثيق من دون أن تفقد عفويتها لذلك يولي منظمو الأعراس اهتمامًا كبيرًا بالإضاءة وزوايا التصوير ومشهد دخول العروس وتنسيق الطاولات حتى طريقة تقديم قالب الحلوى حيث يؤكد المختصون أن النجاح لم يعد يقاس بعدد الصور المنشورة بل بقدرة الحفل على التعبير عن هوية أصحابه.
ومثلما تبدلت فلسفة الاحتفال تبدلت أيضًا نظرة العروس إلى فستان الزفاف وبعد سنوات من الفساتين الضخمة المليئة بالتطريز تتجه الموضة اليوم نحو القصات الانسيابية والأقمشة الفاخرة والمكياج الطبيعي وتسريحات الشعر الناعمة بما يمنح العروس إطلالة مريحة وأنيقة في آن واحد.
وتوضح عيسى أن بعض العرسان لا يزلن يخترن الفستان أولًا ثم يبنين عليه هوية الحفل بينما تفضل أخريات تصميم فكرة الزفاف بكاملها قبل اختيار الفستان الذي ينسجم مع هذه الرؤية.
التقاليد باقية…واحيانا بإخراج جديد:
وعلى رغم كل مظاهر الحداثة لا تزال الزفة اللبنانية تحتفظ بمكانتها بوصفها القلب النابض للحفل كونها اللحظة التي تشعل الأجواء وتفتح باب الرقص والدبكة والأغاني الشعبية…هذا وتستمر الضيافة اللبنانية عنصرًا أساسيًا في الاحتفال وإن قُدمت اليوم بأساليب أكثر عصرية تراعي ذوق الجيل الجديد.
حتى إيقاع السهرة تغيّر ففي الماضي كان الكثير من الضيوف يغادرون بعد تقطع قالب الحلوى أما اليوم فيتحول قطع القالب إلى بداية فصل جديد من الاحتفال حيث تعود الموسيقى بقوة وتمتلئ ساحة الرقص حتى الساعات الأولى من الصباح.
-بين الدعوة الورقية والرسالة الرقمية:
ولم تسلم الدعوات أيضًا من موجة التغيير لانه إلى جانب البطاقات الورقية التقليدية أصبحت الدعوات الإلكترونية خيارًا واسع الانتشار فهي تصل إلى المدعوين عبر الهواتف الذكية بتصاميم أنيقة وتفاعلية.
أما التهاني المالية فقد فرض الواقع الاقتصادي آليات جديدة لتنظيمها حيث توضح عيسى أن المقيمين خارج لبنان يرسلونها غالبًا عبر المصارف بينما يعتمد المقيمون داخل لبنان على شركات تحويل الأموال أو يضع العروسان صندوقًا مقفلًا في مكان مخصص داخل الحفل يتولى الإشبين الإشراف عليه لاستقبال مغلفات التهنئة.
-كلفة ترتفع والهدايا لا تواكبها:
وعلى رغم تغيّر فلسفة الزفاف فإن الكلفة لا تزال مرتفعة بصورة لافتة وحسب منظمي الأعراس لم يعد بالإمكان إقامة حفل زفاف في لبنان بأقل من 25 ألف دولار بينما يتراوح متوسط الكلفة بين 50 ألفًا و200 ألف دولار حسب حجم الاحتفال والخدمات المختارة.
وتشير التجارب إلى أن التهاني المالية التي يقدمها المدعوون لا تغطي عادة سوى ربع النفقات او ثلثها في وقت يصر فيه الكثير من اللبنانيين على الاحتفال بهذه المناسبة بما يليق بها حتى لو تطلب الأمر سنوات من الادخار أو تخصيص جزء كبير من مدخرات العمر.
وتشير عيسى الى انه قد تكون الأعراس اللبنانية تبدلت كثيرًا لكنها لم تتخلَّ عن روحها فالزفة ما زالت تعلن بداية الفرح والدبكة لا تزال تجمع الجميع في حلقة واحدة والضيافة تبقى عنوان الكرم اللبناني لكن هذه العناصر أصبحت اليوم جزءًا من تجربة شخصية اكثر تُصنع على قياس العروسين لا على قياس توقعات الآخرين.
هكذا لم تعد الفخامة مرادفة للمبالغة بل أصبحت تعني حسن الاختيار والاهتمام بالتفاصيل وصناعة ذكرى تشبه أصحابها وفي لبنان اليوم لم يعد الزفاف الأكبر هو الأجمل بل ذاك الذي يحكي قصة حب لا تشبه سواها.
