يوليو 26, 2026
الرئيسية أخبار لبنان

خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود

خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود

في 14 حزيران 1985، شهد مطار هيلينيكون في العاصمة اليونانية أثينا انطلاق الرحلة رقم 847 التابعة لشركة “ترانس وورلد إيرلاينز” (TWA). لم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه الرحلة، بعد دقائق معدودة من إقلاعها، إلى واحدة من أبرز عمليات خطف الطائرات في القرن العشرين، لتشكل نقطة تحول جذرية في العلاقات الأميركية-اللبنانية وتتسبب في وقف الرحلات الجوية المباشرة بين بيروت وواشنطن لأكثر من 40 عاماً.

كانت الطائرة، وهي من طراز “بوينغ 727″، تقل 145 راكباً إلى جانب ثمانية من أفراد الطاقم. وفي رحلة بدت اعتيادية متجهة نحو روما كمحطة قبل الولايات المتحدة، انقلبت الموازين بعد أقل من عشر دقائق على الإقلاع.

عماد مغنية.. العقل المدبر لعملية الخطف

رغم عدم تبني أي جهة رسمية للعملية، أظهرت تحقيقات وزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن عماد فايز مغنية هو العقل المدبر لها.

كان مغنية حينها في الثالثة والعشرين من عمره تقريباً، وقد برز نجمه عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ضمن النواة التي أسست لاحقاً الجناح العسكري لـ”حزب الله”. ووفقاً للرواية الأميركية، استغل مغنية الثغرات الأمنية في مطار أثينا -الأضعف أمنياً في أوروبا آنذاك- لاختيار رحلة تعج بالركاب الأميركيين. وتولى محمد علي حمادي ورفاقه التنفيذ الميداني، بينما ترقبت مجموعات مسلحة وصول الطائرة إلى مطار بيروت.

دقائق الرعب: “ستصل.. مهما كان الثمن”

في شهادته المروعة بعد الإفراج عنه، وصف قائد الطائرة الكابتن جون تيسترايك سرعة الهجوم؛ إذ اقتحم أحد الخاطفين قمرة القيادة موجهاً مسدساً إلى رأسه، بينما لوّح الآخر بقنابل يدوية مطالباً بتغيير المسار فوراً نحو بيروت.

وعندما أخبرهم الطيار أن كمية الوقود لا تكفي للوصول إلى لبنان، جاء الرد قاطعاً: “ستصل.. مهما كان الثمن”. وبمهارة عالية، حلق تيسترايك بأدنى استهلاك للوقود حتى هبط في بيروت، في تجربة وصفها لاحقاً بالأصعب في مسيرته المهنية.

مطار بيروت والرحلات الست المكوكية

بمجرد هبوط الطائرة في بيروت، تفاجأ الطاقم بسيارات ومسلحين يحيطون بها. وعقب تزويدها السريع بالوقود والإفراج عن بعض النساء والأطفال وصعود مسلحين إضافيين، أقلعت الطائرة مجدداً نحو الجزائر.

لم تتوقف الأزمة هنا؛ فخلال الأيام اللاحقة، تنقلت الطائرة بين بيروت والجزائر ست مرات، في مشهد سريالي غير مسبوق نقلته شاشات التلفزة العالمية لحظة بلحظة.

الجريمة التي صدمت الولايات المتحدة

أثناء العودة الثانية للطائرة إلى بيروت، بدأ الخاطفون بالتدقيق في الجوازات بحثاً عن الأميركيين، وتحديداً العسكريين. وهناك، فشلت محاولات إخفاء هوية الغطاس في البحرية الأميركية، روبرت دين ستاثم.

اقتيد الشاب إلى مقدمة الطائرة حيث تعرض لضرب مبرح قبل إطلاق النار عليه وإلقاء جثته على مدرج مطار بيروت. وتتهم واشنطن محمد علي حمادي بتنفيذ هذه الجريمة التي خلّفت رعباً وصمتاً مطبقاً بين الركاب، وأدرك الجميع، بمن فيهم الكابتن تيسترايك، أن الخاطفين مستعدون للذهاب إلى أبعد الحدود.

من الطائرة إلى شقق الضاحية السرية

مع تعقّد مسار الأزمة، أُخرج عشرات الرهائن الأميركيين من الطائرة ونُقلوا معصوبي الأعين إلى شقق ومنازل في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، ليقبعوا تحت حراسة مشددة دون معرفة مصيرهم.

في المقابل، تحولت الأزمة إلى مفاوضات سياسية شاقة؛ حيث طالبت الجهة الخاطفة بالإفراج عن مئات المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وتحديداً في معتقل عتليت. وأمام رفض الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان التفاوض المباشر، تدخلت الجزائر وسوريا لضبط الإيقاع.

وهنا، برز دور رئيس حركة أمل، نبيه بري، كوسيط لبناني محوري. وقد أثمرت اتصالاته المكثفة عن منع إعدام مزيد من الرهائن، وتكللت جهوده بالإفراج عنهم جميعاً في 30 حزيران 1985، لتطوى صفحة 17 يوماً من الرعب.

مطاردة مستمرة وعزلة جوية لعقود

لم تقتصر تداعيات الرحلة 847 على الإفراج عن الرهائن وحسب؛ فقد تصدر عماد مغنية قائمة المطلوبين الأميركية لاتهامه بالوقوف خلف سلسلة استهدافات للمصالح الأميركية في الثمانينيات، واستمرت ملاحقته حتى اغتياله في دمشق في شباط 2008 بعملية وُجهت أصابع الاتهام فيها إلى إسرائيل.

أما محمد علي حمادي، فاعتُقل في ألمانيا عام 1987 وحُكم عليه بالمؤبد، قبل الإفراج عنه وترحيله إلى لبنان عام 2005. كما شملت لوائح المطلوبين الأميركية كلاً من حسن عز الدين وعلي عطوة.

واليوم، بينما يبرز الحديث مجدداً عن إمكانية إعادة تشغيل الخط الجوي المباشر، لا يزال طيف عملية TWA 847 حاضراً بقوة في الذاكرة الأميركية؛ كحادثة مفصلية غيّرت مصير ركابها، وأعادت صياغة سياسات أمن الطيران ومسار العلاقات الجوية بين بيروت وواشنطن لعشرات السنين.

خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود
خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود 8
خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود
خطف TWA 847: الرحلة التي قطعت طيران بيروت واشنطن لأربعة عقود 9