كتب بودوان عبدالنور
في إحدى سهرات بيروت الصاخبة، تتجسد المفارقة اللبنانية في أبهى صورها: امرأة ترتدي أحدث صيحات الموضة الجريئة، ترتشف مشروبها الروحي، وتحمل في يدها الأخرى هاتفاً تزيّن شاشته صورة “السيد”. تعظ الحاضرين بضرورة استيعاب “ولاية الفقيه”، غافلةً عن أن النص الديني والمؤسسي لهذه المنظومة ذاتها، لو حُكِمَت به قطاعات المجتمع، لما تساهل مع خياراتها الشخصية أو أسلوب حياتها.
ليست هذه الصورة مجرد مشهد عبثي عابر، بل هي نموذج لظاهرة أعمق تعتري الوجدان الجمعي لقطاعات واسعة. وفي مشهد آخر لا يقل غرابة، يخرج أهالي إحدى القرى الحدودية ليشتموا ويسقطوا الشرعية الأخلاقية عن شتى المحاولات الدبلوماسية والرسمية التي أدت لإنقاذ ما تبقى من قراهم وتسهيل عودتهم إليها، مفضلين -في منطق مضمر- بقاء الأرض محروقة والبيوت ركاماً، في سبيل الاستمرار في تقديم الدعم المطلق لنهج كان السبب المباشر فيما آلت إليه أوضاعهم.
قد يختلف المراقبون في تقييم الأداء العسكري أو الأمني أو التنموي للحركات العقائدية، لكن ثمة مساحة يتجلى فيها نجاح باهر ولافت: الهندسة النفسية وإدارة الوعي الجمعي.
خرق لقوانين علم النفس السياسي
عند عقد مقارنة تاريخية مع أنظمة الهيمنة الفكرية الشمولية، يتبين أن الحالة اللبنانية تتجاوز النماذج التقليدية:
المقارنة مع التجربة الكورية الشمالية: تعتمد الهيمنة هناك على آلة قمعية مطلق ومغلقة، وحجب شامل لأي رواية بديلة من المهد إلى اللحد؛ فالإذعان هناك وليد القسوة والغطرسة الأمنية. بينما يتشكل الانتماء في الحالة اللبنانية وسط بيئة مفتوحة، وتعددية إعلامية، وثقافات معولمة، ومع ذلك يختار الفرد التماهي التام مع الرواية العقائدية.
المقارنة مع النموذج الألماني في الثلاثينيات: كانت الشعبية النازية مدفوعة بطفزة اقتصادية وعسكرية ومشاريع عملاقة ألهمت الجماهير في البدايات، وما إن بدأت هزائم الحرب وتدمير المدن، حتى بدأ التفاوض والتمايز الشعبي يتسلل إلى الوجدان الألماني. أما في الحالة المحلية، فالمفارقة تكمن في صمود الرواية الفكرية وتماسكها حتى وسط الركام والانكسارات المتتالية.
إعادة تعريف “سيكولوجية الجماهير”
إن القدرة على جعل الإنسان يحتفي بالخسارة، أو يرى في تدمير قريته وتشريد عائلته “إنجازاً ومظهراً من مظاهر النصر”، تمثل حالة متقدمة في أدبيات التوجيه العقائدي. هي مدرسة تتجاوز ما طرحه غوستاف لوبون في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”؛ إذ لم تعد الفكرة مجرد انسياق عاطفي مؤقت للغريزة الجماعية، بل تحولت إلى بنية ذهنية صلبة قادرة على ابتلاع التناقضات الفاقعة وإعادة تفسير الواقع بما يتوافق مع النص المؤدلج.
تتجلى هذه القوة النفسية في قدرتها على تجنيد النخب والمثقفين جنباً إلى جنب مع العوام، وصياغة واقع بديل يرى الحقائق الجلية من منظار منفصل تماماً عن منطق النتيجة والسبب.
إنها ظاهرة تستحق التفكيك والدراسة في كليات علوم النفس والاجتماع السياسيين؛ لمعرفة كيف يمكن للأيديولوجيا أن تمتلك هذا القدر من السحر والفاعلية، لتجعل الفرد يستعذب ما يناقض وجوده، ويدافع عن المنظومة التي تتناقض مع أبسط شروط حريته ونمائه.
