الرئيس الأميركي دونالد ترامب خذل الثوار الإيرانيين، وقد صدق المرشد علي خامنئي عندما قال إن ترامب هو المسؤول عن التسبب بسقوط ضحايا خلال الاحتجاجات.
هذه هي الخلاصة التي يمكن استنتاجها من الصور المرعبة للمجازر التي اقترفها الحرس الثوري الإيراني بحق المتظاهرين السلميين في العاصمة طهران والمدن الأخرى. هذه المشاهد المقزّزة لمئات القتلى مرميّين في أكياس بلاستيكية على الطرقات ليتعرف عليهم ذووهم، وليكونوا عبرة لمن تسوّل له نفسه معارضة الثورة الإسلامية وأدواتها، تعيدنا بالذاكرة الى أفلام الغرب الأميركي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
في معظم تلك الأفلام كان هناك بطل كناية عن صائد جوائز يطارد مطلوبًا للعدالة على مدى ساعتين من الفيلم، على أمل نيل جائزة ماية كبيرة حددتها السلطات لمن يعتقله. وما أن يلقي صائد الجوائز القبض على المجرم المطلوب، بعدما يكون قد أمضى أشهرًا في تعقبه عبر الجبال والوديان والسهول والصحاري، حتى يطلق سراحه لأسباب مجهولة. ألا أن هذه الأسباب المجهولة تصبح معلومة بعدما يظهر أن المجرم تقاسم “الغنيمة” مع البطل الذي حصل على مبلغ أكبر من قيمة الجائزة، ففضّل الحقارة والرشوة على المساعدة على تحقيق العدالة.
هذا بالضبط ما قام به الرئيس الأميركي مع الثوار الإيرانيين الأحرار الذين نزلوا الى الشوارع بصدور عارية قبل نحو شهر، غير آبهين بتهديدات السلطات التي قمعتهم واعتقلتهم ونكلت بهم، بعدما عقدت صفقة (أو ربما أوشكت على عقدها) مع الكاوبوي الأميركي الذي لا صديق له ولا حليف إلا واحدّا: مصلحته.
إلا أن المضحك المبكي في ما حصل هو تبرير ترامب وقف الضربات على ايران بقرارها وقف الإعدامات بحق المعتقلين، متناسيًا آلاف القتلى وعشرات آلاف المعتقلين الذين سقطوا ضحية وعوده الجوفاء لهم بالتدخل العسكري الفوري إذا أطلقت السلطات الإيرانية النار على المتظاهرين.
ولتكتمل عناصر الفيلم الأميركي، لم يتورّع ترامب عن تحريك الأساطيل واستنفار القواعد الأميركية في المنطقة والعالم للإيحاء بجدية موقفه، والدلالة على اتخاذه قرار ضرب إيران لدعم الثوار وإرغام النظام على الرضوخ لمطالبهم. واكتملت عناصر الفيلم عندما واكب هذا الاستنفار العسكري الأميركي استنفار دبلوماسي للدول الفاعلة في المنطقة لمنع حصول الضربة الأميركية، خوفًا من اتساع رقعة الحرب وصولًا الى أراضيها من جهة، وخوفًا من احتمال سقوط النظام الايراني وما لذلك من انعكاسات سلبية على الأوضاع في هذه الدول من جهة ثانية.
هكذا حضّر ترامب الأرضية المناسبة لاعتقال “المجرم المطلوب” ونيل الجائزة، واضعًا الثوار الإيرانيين تحت رحمة المرشد وأدواته القمعية، مع إغداق الوعود بإنقاذهم في الوقت المناسب.
إلا ان حساب الحقل لم يشبه حساب البيدر لدى الثوار الإيرانيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة خامنئي وسندان ترامب، فآثروا التراجع السريع للحد من الخسائر في معركة وجدوا أنفسهم يخوضونها من دون أي دعم خارجي.
فالرئيس الأميركي الذي ضيّق الخناق على النظام الإيراني لدرجة أنه بات في قبضته تقريبًا، فضّل التفاوض مع “المطلوب للعدالة” للحصول منه على ثمن أعلى من قيمة الجائزة المعروضة لاعتقاله. بمعنى آخر نجح ترامب في الحصول على مطالبه من النظام الايراني من دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما ستظهره الأيام المقبلة عندما تعلن إيران، بعد مفاوضات صوَرية، تخليها عن برنامجها النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصّب، إضافة الى تخليها عن برنامجها لتصنيع الصواريخ الباليستية، مع وقف تدخلها في شؤون دول المنطقة عبر أذرعها العسكرية في هذه الدول.
هكذا يكون الرئيس الاميركي قد حقق أهداف الحرب من دون خوضها، ويكون في الوقت نفسه قد ترك الثوار الإيرانيين في منتصف الطريق وجعلهم لقمة سائغة بيد النظام وعبرة لكل من تسوّل له نفسه معارضته.
إلا أن ما فات الرئيس ترامب ان النظام الايراني (وكذلك أذرعه) القائم على التقية، لطالما وعد بأمور كثيرة ثم انقلب عليها ولم ينفذها عندما استطاع الى ذلك سبيلًا.
هذه التطورات، على مأساويتها، لا تعني أن عبارة the end قد ظهرت على الشاشة وأسدِل الستار معلنًا انتهاء الفيلم الأميركي، لأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي لا يثق بالإيرانيين وفقًا لتجاربه معهم، لم يقل كلمته الأخيرة بعد، ولا يزال أمامه الكثير من المفاوضات الشاقة مع الأميركيين حول هذه المسألة المصيرية بالنسبة لتل أبيب.
في الختام بات مؤكًدًا أن ما حصل للثوار الإيرانيين في عهد ترامب يذكر بمصير ثورة الحجاب في عهد الرئيس باراك أوباما، ويعيد تأكيد المؤكد وإحياء القول المأثور في عالم أحادي القطب: الويل لأصدقاء أميركا، والويل ثم الويل لأعدائها!!
خاص- الإيرانيون بين مطرقة خامنئي وسندان ترامب .





