وُصفت الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي استضافتها العاصمة الإيطالية روما، بأنها “إيجابية وبنّاءة” وفقاً لما أعلنته السفارة الأميركية في لبنان. وتركزت النقاشات في هذه الجولة على آليات تنفيذ كافة بنود “الاتفاق الإطاري الثلاثي” الموقّع في 26 حزيران الماضي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
رغم الأجواء الدبلوماسية المتفائلة، تشير صحيفة “il manifesto” الإيطالية إلى أن هذا الاتفاق لا يزال يصطدم برفض كامل ومطلق من قبل حزب الله، إلى جانب اعتراضات واسعة من قوى سياسية لبنانية متعددة، تشمل أطرافاً من المعارضة أيضاً.
الميدان يكذّب الهدوء: “عقيدة غزة” في الجنوب
على المقلب الآخر، تؤكد الوقائع الميدانية على الأرض أن إسرائيل لا تعتبر الحرب في لبنان قد انتهت بعد. فوفقاً لتقرير صحيفة “il manifesto”، تواصل القوات الإسرائيلية إصدار أوامر بهدم أحياء وقرى كاملة داخل ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، وهو شريط حدودي يمتد بعمق نحو 10 كيلومترات بمحاذاة الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية للبنان.
وتقرّ تل أبيب علناً بتطبيق ما تطلق عليه “عقيدة غزة” في هذه المنطقة، وهي سياسة تقوم على التدمير المنهجي الكامل للقرى والمساحات الزراعية والأحراج الباقية. وكان تقرير رسمي صدر عن وزارة البيئة اللبنانية في نيسان الماضي قد وصف هذه الممارسات الإسرائيلية بأنها تمثل “إبادة عمرانية وإبادة بيئية”.
وتنبه الصحيفة الإيطالية إلى خطورة قبول الاتفاق الإطاري بصيغته الحالية، معتبرة أنه قد يحرم لبنان مستقبلاً من حقه القانوني في مطالبة المجتمع الدولي بمحاسبة إسرائيل على هذه الانتهاكات الجسيمة.
تفجيرات وتدمير للمنازل ليلاً
ميدانياً، وترجمةً لهذه السياسة، أقدم الجيش الإسرائيلي ليل الثلاثاء – الأربعاء على تفجير منازل سكنية مدنية في مدينة بنت جبيل، وفي محيط بلدتي حداثا وبيت ياحون، بالتزامن مع تفجيرات مماثلة سُجلت عند أطراف مرجعيون والنبطية.
هدوء حزب الله المرتبط بالحسابات الإيرانية
في المقابل، يرصد التقرير التزام حزب الله بسياسة التهدئة النسبية حتى الآن، إلا أن الصحيفة تلفت إلى أن أي تصعيد جديد في المواجهة مع إيران كفيل بخلط الأوراق وتغيير المعادلات القائمة ميدانياً بالكامل.
من جهتها، ترى صحيفة “Decode39” الإيطالية أن محادثات روما تشكّل حالياً إحدى القنوات الدبلوماسية القليلة جداً التي لا تزال مفتوحة في ظل أجواء إقليمية مشحونة بالتوتر المتصاعد.
ويحاول لبنان، بحسب الصحيفة، الإبقاء على مسار تفاوضي مستقل مع إسرائيل يفصله عن دائرة الصراع المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن طهران لا تزال تنظر إلى الساحة اللبنانية كجزء لا يتجزأ من ميزان القوى الإقليمي، مستندة في ذلك إلى نفوذ حزب الله القوي وتحالفاته السياسية الداخلية.
وحذر التقرير من أن حدوث أي تصعيد جديد في منطقة الخليج سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، حيث سيعزز موقف حزب الله، ويضيق هوامش التسوية، مما يجعل تحويل الحوار التقني الجاري حالياً في روما إلى اتفاق سياسي مستدام أمراً بالغ الصعوبة.
روما واليونيفيل: دور وسيط يتجاوز الضيافة
لا يقتصر دور العاصمة الإيطالية على استضافة الوفود فحسب؛ إذ تسعى روما جاهدة لترسيخ دورها كوسيط إقليمي موثوق، قادر على إدارة قنوات اتصال فعالة ومستمرة بين لبنان، وإسرائيل، والولايات المتحدة، والدول العربية.
وتستند إيطاليا في مسعاها هذا إلى رصيدها التاريخي الطويل وخبرتها العميقة في قيادة قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) العاملة في جنوب لبنان، مما يمنح دورها الدبلوماسي ثقلاً ونفوذاً إضافيين في أي مسار دولي يهدف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
ويخلص تقرير الصحيفة إلى أن مقياس نجاح مفاوضات روما لن يتوقف عند حدود تثبيت وقف إطلاق النار، بل يرتبط أساساً بمدى قدرتها الدبلوماسية على إبقاء الملف اللبناني معزولاً عن المواجهة الأميركية الإيرانية المتصاعدة، للحيلولة دون دمج أزمات الخليج وبلاد الشام في حريق إقليمي واحد شامل.
