يبرز فؤاد مخزومي اليوم بوصفه واحدًا من أكثر الوجوه السنية وضوحًا في الانحياز إلى الدولة، وإلى العهد والحكومة، في لحظة لبنانية لا تحتمل المواربة ولا الشعارات الفارغة. وما صدر عنه من قصر بعبدا لم يكن مجرد موقفأكد النائب فؤاد مخزومي، بعد لقائه رئيس الجمهورية في قصر بعبدا، أن احترام استمرارية الدولة والوفاء بالتزاماتها ليس خيارًا سياسيًا، بل واجب وطني ودستوري.
واعتبر مخزومي أن أمام لبنان فرصة تاريخية لاستعادة سيادته ودولته الكاملة، مشيرًا إلى أنه أكد للرئيس جوزيف عون دعمه الكامل للإطار المطروح، لأنه يعيد قرار الحرب والسلم إلى الدولة اللبنانية وحدها.
وشدد على أن استعادة الدولة ليست شعارًا، بل مشروعًا متكاملًا يقوم على السيادة الكاملة، والجيش الواحد، والسلاح الشرعي الواحد، ومؤسسات واحدة، واقتصاد منتج، وعدالة متساوية، ومستقبل يليق بجميع اللبنانيين. عابر أو مجاملة سياسية، بل بدا كأنه تثبيتٌ لخياره السياسي الكامل: الدولة أولًا، السيادة أولًا، وقرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرًا في يد المؤسسات الشرعية. في بلد أنهكته الاصطفافات الحادة وتآكلت فيه الثقة بالخطاب العام، جاء هذا الموقف ليضع مخزومي في قلب المعادلة الوطنية، لا على هامشها.
الأهم في تصريح مخزومي أنه لم يذهب إلى لغة المزايدة أو الاستعراض، بل إلى منطق الدولة القادرة التي تستعيد دورها عبر المؤسسات لا عبر الشعارات. ومن قصر بعبدا، بدا واضحًا أنه يراهن على تسوية مسؤولة تعيد للبنان مكانته العربية والدولية، وتفتح الباب أمام مسار إصلاحي يوقف الانهيار ويعيد الاعتبار إلى منطق الحكم. وفي هذا المعنى، فإن دعمه للرئيس جوزيف عون ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تعبير عن قناعة بأن إنقاذ البلد يبدأ من إعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها، لا من تدوير الأزمات أو الهروب إلى الأمام.
وفي بلد اعتاد أن يستهلك طاقاته في المزايدات، تبدو صراحة مخزومي قيمة سياسية مضافة. فهو لا يبيع اللبنانيين أوهامًا، ولا يساوم على العناوين الكبرى، بل يضع إصبعه على الجرح: لا دولة من دون احتكار الشرعية، ولا استقرار من دون قرار واحد، ولا نهوض من دون شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها. لذلك، فإن ما قاله من قصر بعبدا يتجاوز حدود التأييد الشخصي للعهد والحكومة، ليصبح موقفًا سياسيًا متكاملًا يربط بين السيادة والإصلاح والإنقاذ.
إنه، ببساطة، أحد أبرز الوجوه السنية التي اختارت أن تكون مع الدولة لا فوقها، ومع الحكومة لا في مواجهتها، ومع مشروع الإنقاذ لا مع تجارة التعطيل. وهذه ليست تفصيلة صغيرة في السياسة اللبنانية، بل إشارة إلى إمكان قيام خطاب سنّي وطني يخرج من أسر الحسابات الضيقة إلى أفق الدولة الجامعة. ومن هنا، فإن دعم مخزومي للعهد والحكومة ليس مجاملة سياسية، بل رهان على الدولة نفسها، وعلى قدرة لبنان على الانتقال من زمن المساومات إلى زمن المؤسسات. وهذا ما يحتاجه البلد اليوم، بلا زيادة ولا نقصان، وبلا تردد أبدًا.
