كشف موقع “OSINT613” الأميركي تفاصيل وثائق داخلية مسربة لحركة “حماس”، تُظهر أن هجوم 7 تشرين الأول 2023 جاء تتويجاً لسنوات من التنسيق الأمني والاستراتيجي مع “حزب الله” وإيران. وتضمنت الوثائق محاولات متكررة من الحركة لإقناع الأمين العام السابق للحزب، حسن نصرالله، بالمشاركة في هجوم بري متزامن باتجاه شمال إسرائيل.
ونقل الموقع في تقريره، الذي يستند إلى تحليلات مركز “مائير عميت” للمعلومات الاستخباراتية وما نشره مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كادوش، معطيات تقدم إجابات حول أسباب عدم تنفيذ “حزب الله” هجوماً برياً واسعاً على الجليل رغم التنسيق المسبق مع الحركة.
جذور التعاون الاستخباراتي
تشير الوثائق إلى أن العلاقة الميدانية تعمقت قبل سنوات من الهجوم. ففي عام 2019، وأثناء التحضير لما أسمته حماس “خطة هزيمة فرقة غزة”، وجّه إسماعيل هنية رسالة إلى نصرالله لتأكيد الثقة بانخراط الحزب في المواجهة، كما أُرسلت رسالة مطابقة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي لضمان الدعم الإقليمي.
وبرز هذا التنسيق جلياً خلال عملية “حارس الأسوار” الإسرائيلية في أيار 2021. وتكشف الوثائق أن “حزب الله” أبلغ “حماس” مسبقاً بخطة الخداع الإسرائيلية المعروفة بـ”المترو” قبل ساعتين من تنفيذها، محذراً من أن الغزو البري المزعوم هو فخ لاستدراج المقاتلين إلى الأنفاق وقصفهم. وقد أكد مسؤول أمني إسرائيلي شارك في العملية لإذاعة الجيش دور الحزب الفعلي في كشف الخطة.
إلى جانب ذلك، رصد “حزب الله” نشاطاً استخباراتياً إسرائيلياً غير معتاد فوق جباليا، ونجح في تحذير قائد شمال غزة، أحمد الغندور، من محاولة اغتيال وشيكة، نجا منها حينها قبل أن يُقتل لاحقاً في الحرب الحالية.
رغم هذا التعاون، اعتبرت “حماس” أن تدخل الحزب العسكري في 2021 لم يكن كافياً. وفي رسائل داخلية، طالب مسؤول فلسطيني القيادي خليل حرب (مساعد نصرالله) بتكثيف الهجمات من لبنان لتشتيت القوات الإسرائيلية، ليعده الأخير بمناقشة الأمر مع نصرالله نظراً لعدم علمه برغبة الحركة في تصعيد أكبر.
اجتماعات بيروت وسيناريو “الوعد الآخرة”
أخذت النقاشات طابعاً أوسع وأكثر طموحاً في أيار 2022، إثر اجتماع في بيروت ضم القياديين صالح العاروري وخليل الحية مع حسن نصرالله، بحضور القائد البارز في الحرس الثوري الإيراني محمد رضا إيزادي. وعرضت “حماس” رؤيتها لظروف مؤاتية لاندلاع مواجهة شاملة، مستندة إلى التوترات في الضفة الغربية، والاضطراب السياسي الإسرائيلي، وحرب روسيا وأوكرانيا، ومساعي التطبيع العربي التي رأت ضرورة لعرقلتها.
لم يرفض نصرالله المقترح، لكنه طالب بتحديد دقيق لمعنى “النصر” والأهداف المرجوة لتحديد حجم التحرك المطلوب، متسائلاً عما إذا كان الهدف زوال الاحتلال بالكامل أم مجرد حماية المسجد الأقصى.
ونقلت الحركة تحفظات نصرالله إلى يحيى السنوار في غزة، الذي رد بتقديم استراتيجية مفصلة تحت اسم “حملة الوعد الآخرة”. وتعتمد الخطة على هجوم مفاجئ واسع من جبهات متعددة. وحدد السنوار فترة الأعياد اليهودية، وتحديداً “عيد الفصح”، موعداً مثالياً، مما يدل على أن 7 تشرين الأول لم يكن الخيار الأول للحركة في البداية.
تضمن مقترح السنوار عمليات تسلل من الحدود الأردنية، وهجمات ينفذها “حزب الله” من لبنان، وأخرى لفصائل فلسطينية من سوريا. ووصف نصرالله الخطة بأنها “سيناريو واقعي قابل للتحقيق”، واعداً بعرضها على خامنئي، في وقت كانت الحركة تتوقع فتح جبهات عبر فصائل مسلحة مدعومة من إيران مع بقاء طهران في الخلفية.
صباح 7 أكتوبر: رسالة السنوار العاجلة
بحلول منتصف 2023، أبلغ السنوار كبار مسؤولي “حماس” بوجود استعداد عالٍ لدى الإيرانيين و”حزب الله” لخوض معركة مستقبلية وتجاوز حالة الحذر التي أعقبت حرب 2006. إلا أن وثائق استخباراتية عسكرية داخلية لحماس في الفترة ذاتها حذرت من وجود “حاجز نفسي” لدى الحزب يجعله متردداً في خوض حرب شاملة.
وقد صدقت هذه الشكوك الميدانية. ففي الساعة 6:29 من صباح 7 تشرين الأول 2023، أرسل السنوار رسالة عاجلة لنصرالله يعتذر فيها عن غياب الإشعار المسبق، مناشداً إياه التدخل الفوري بقصف صاروخي مكثف وهجوم بري واسع.
وبينما فتح “حزب الله” جبهة إسناد شمالية بالصواريخ والمسيّرات، إلا أنه لم يدفع بقوة “الرضوان” إلى الجليل كما كانت تأمل “حماس”. ويخلص التقرير إلى أن غياب هذا الهجوم البري المزدوج غيّر نطاق الصراع بشكل جوهري، وحال دون تحول العملية إلى هجوم متزامن وأضخم بكثير على شمال إسرائيل.
