في خضم التطورات الميدانية المتسارعة التي تشهدها الحدود اللبنانية، استضاف برنامج “دولة ولكن“ الذي يُبث عبر منصة “الملفات العربية“، الناشط السياسي والكاتب محمود شعيب في حلقة حوارية قدمها الإعلامي أسعد نمور، لمناقشة الواقع الأمني والسياسي المعقد في جنوب لبنان. ركز اللقاء على تداعيات الصراع المفتوح وانعكاساته المباشرة على الساحة الداخلية اللبنانية، حيث قدم شعيب قراءة نقدية للواقع، بدءاً من أزمة النزوح المستمرة، مروراً بالارتباطات الإقليمية للقرار اللبناني، وصولاً إلى مآلات المفاوضات الدولية وتأثيرها على استقرار المنطقة.
النزوح والواقع الميداني: انتقاد لـ”الانتصارات الوهمية”
في مستهل المقابلة، تناول محمود شعيب الواقع الإنساني والميداني في القرى الحدودية في جنوب لبنان. وانتقد بوضوح الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يروج لما أسماه “انتصارات وهمية”، معتبراً أن هذا الخطاب يتجاهل تماماً حجم المعاناة القاسية التي يتكبدها أهالي الجنوب جراء التهجير المستمر والتدمير الواسع الذي طال الممتلكات والبنى التحتية. وأشار شعيب إلى أن محاولات العودة الميدانية التي قام بها بعض المواطنين مؤخراً لتفقد قراهم ومنازلهم كانت محفوفة بالمخاطر الأمنية الجسيمة، مما أجبر العديد منهم على النزوح مجدداً خلال ساعات الليل هرباً من الاستهدافات المباشرة. وفي سياق متصل، أشار إلى وجود استثمار ممنهج لأوجاع النازحين، حيث يتم استخدام هذه المعاناة الإنسانية كأوراق ضغط ومساومة في بازار المفاوضات الإقليمية، لا سيما في ظل التجاذبات المستمرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ما يضع المواطن اللبناني في واجهة صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه.
القرار السيادي ومسألة التنازل عن حقل “كاريش”
انتقل الحوار مع الإعلامي أسعد نمور إلى مناقشة مسألة القرار السياسي والعسكري في لبنان. وهنا، اعتبر شعيب أن القرار الميداني في الجنوب اللبناني لم يعد قراراً وطنياً مستقلاً، بل هو “مرتهن لإيران” وتحديداً للحرس الثوري الإيراني. ووجه انتقادات لقيادات الأمر الواقع متهماً إياها بتهميش الدور الفعلي للمسؤولين المحليين اللبنانيين وإدارة الميدان بطريقة تخدم أجندات خارجية وتوازنات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية للبنان. ولدعم وجهة نظره، تطرق شعيب إلى ملف ترسيم الحدود البحرية والتنازل عن حقل “كاريش” النفطي، معتبراً أن الموافقة على هذا التنازل لم تكن خطوة لحماية مصالح لبنان الاقتصادية وحقوقه السيادية، بل جاءت استجابة مباشرة لأوامر وتوجيهات إيرانية ضمن سياق تسويات أوسع تمت في الكواليس.
دور الجيش اللبناني وحصرية السلاح بيد الدولة
في الشأن الداخلي ومسؤوليات مؤسسات الدولة، وجه شعيب انتقادات حادة للسلطة السياسية اللبنانية، متهماً إياها بالتقاعس التام عن أداء واجباتها الدستورية في حماية أمن المواطنين وإدارة الأزمة. ولتجاوز هذه المعضلة الهيكلية، طالب بضرورة الانتشار الكامل والفعلي للجيش اللبناني على طول الحدود لضبط الأمن وحماية السيادة، لتجنب زج لبنان في سيناريوهات حرب مدمرة وتوسيع رقعة الاشتباك. وأكد على موقف مبدئي يتمثل في ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وقواها العسكرية الشرعية فقط، معتبراً أن هذا الإجراء هو الشرط الأساسي والوحيد لضمان الاستقرار المستدام، عودة النازحين بأمان، والبدء بأي عملية جدية وفعالة لإعادة الإعمار في المناطق المتضررة.
كواليس المفاوضات الإقليمية في سويسرا
لم يقتصر النقاش على الساحة اللبنانية الضيقة، بل امتد ليشمل المشهد الإقليمي والمفاوضات الدولية المؤثرة على سير الأحداث. كشف شعيب خلال اللقاء عبر منصة “الملفات العربية” عن معطيات تتعلق بالضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية، وتحديداً خلال فترة الرئيس دونالد ترامب، على طهران في مسار المفاوضات التي استضافتها سويسرا. وأوضح أن هذه الضغوط السياسية والاقتصادية القاسية أجبرت الوفد الإيراني المفاوض على التراجع العملي عن تهديدات وتصريحات سابقة كانت تلوح بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، مما يشير إلى مقاربة طهران البراغماتية في التعامل مع التهديدات المباشرة لمصالحها وتفضيلها لحماية نظامها على حساب التصعيد المفتوح.
دعوة صريحة للتغيير السياسي الشامل
في ختام الحلقة، وجه الكاتب والناشط محمود شعيب دعوة صريحة للمطالبة بإطاحة كافة أركان السلطة السياسية الحالية في لبنان. واعتبر أن هذه الطبقة السياسية ليست فقط عاجزة عن إيجاد الحلول للأزمات المتراكمة، بل هي شريكة فاعلة في الانهيار الشامل الذي تعاني منه البلاد على المستويات السياسية، الاقتصادية، والأمنية، مؤكداً أن مسار الإنقاذ يبدأ بتغيير جذري في بنية السلطة الحاكمة.
