يونيو 18, 2026
الرئيسية

المسائية_حرب بدائية لإزالة دولة نووية

المسائية_حرب بدائية لإزالة دولة نووية

ليس جديداً أن نسمع في الخطاب السياسي اللبناني، وعلى لسان النائب إيهاب حمادة، كلاماً عن زوال إسرائيل، كما ليس عابراً أن يُقال، كما يكتب إبراهيم الأمين حرفياً، إن المقاومة وُجدت لإزالة إسرائيل. لكن ما يبدو ثابتاً في هذا الخطاب هو أنه يتجاوز السياسة إلى ما يشبه العقيدة المغلقة، حيث تتحول الأهداف من إدارة صراع إلى إعلان مهمة تاريخية مفتوحة بلا سقف زمني أو كلفة محسوبة.
هنا تحديداً يبدأ السؤال اللبناني الحقيقي: أين تقف مصلحة لبنان من مشروع يقوم على صراع وجودي مع دولة نووية مدعومة من الولايات المتحدة؟ وهل يمكن لدولة صغيرة، مثقلة بانقساماتها واقتصادها المنهك، أن تتحمل وحدها أثقال معركة لم تخضها دول أكبر وأكثر استقراراً؟
التاريخ العربي، بكل ما فيه من تجارب قاسية، لا يقدم إجابات عاطفية. ياسر عرفات راوغ فكرة الحرب المفتوحة، حافظ الأسد أدارت دولته الصراع وفق توازنات دقيقة، وجمال عبد الناصر نفسه أدرك، وفق ما تُظهر تسجيلات منسوبة إليه، أن معركة بهذا الحجم لا يمكن أن تُخاض بلا حدود أو حسابات دقيقة للكلفة.
المشكلة اليوم لا تكمن في خطاب سياسي فقط، بل في مشروع يضع لبنان في قلب معادلة مفتوحة على الاستنزاف، ويقدّم الحرب كقدر دائم. مشروع يعتقد أن امتلاك السلاح، ولو على أنقاض دولة مدمرة، هو شكل من أشكال الانتصار. ويستثمر في بنية عسكرية متقدمة، من الأنفاق إلى الجبهات، من دون أن يوازي ذلك منظومة حماية مدنية تحمي الناس عند الانفجار.
في المقابل، يُعاد إنتاج سرديات انتقائية من الإعلام الإسرائيلي، وكأن الصورة هناك تُستحضر فقط لتبرير الداخل، فيما يغيب جوهر أي دولة حديثة: النقد والمحاسبة وتعدد القرار. وبين هذا وذاك، يُدفع المجتمع إلى حالة استقطاب حاد، تُعلّق فيها الحياة بين منع الفرح ومنع الحزن، وكأن البلد يعيش على إيقاع معركة دائمة لا تنتهي.
إنها ليست مجرد مواجهة سياسية، بل بنية كاملة لإدارة الحياة العامة بمنطق الاستثناء الدائم.
في هذا السياق، لا يعود السؤال تقنياً أو عسكرياً فقط، بل يصبح سؤالاً وجودياً عن شكل الدولة ودورها وحدود قدرتها على تحمل مغامرات مفتوحة على المجهول. فالدول لا تُدار بمنطق الشعارات، بل بحسابات دقيقة تربط بين الأمن والاستقرار والاقتصاد. وعندما يتحول قرار الحرب والسلم إلى خارج مؤسسات الدولة، يصبح لبنان مكشوفاً أمام الاستنزاف الدائم، ويُدفع ثمن ذلك من اقتصاده، ومن شبابه، ومن قدرته على الاستمرار ككيان قابل للحياة والاستقرار.
هكذا، يبدو لبنان عالقاً في دوامة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى قرار: هل يبقى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، أم دولة تحاول، ولو متأخرة، استعادة تعريف نفسها وحدودها؟