لم يعد الحرس الثوري الإيراني مجرد مؤسسة عسكرية لحماية النظام في طهران، بل تحول إلى إمبراطورية اقتصادية واسعة استفادت بشكل مباشر من العقوبات المفروضة على البلاد. واليوم، تستشعر بعض دوائر الحرس تهديداً كبيراً لا ينبع من احتمالات الحرب، بل من أفق التسويات التي قد تفتح الاقتصاد الإيراني أمام المنافسة الخارجية.
هيمنة اقتصادية واحتكار للأسواق
كشف تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) أن الحرس الثوري يُعد من أبرز الفاعلين الاقتصاديين في إيران، حيث يمتد نفوذه ليحكم قبضته على قطاعات حيوية تشمل النفط، والغاز، والاتصالات، والإنشاءات، والخدمات المالية.
وتبرز مؤسسة “خاتم الأنبياء” بوصفها الذراع الاقتصادية الأقوى للحرس، بعد أن تحولت إلى واحدة من كبريات الشركات العاملة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية. وفي هذا السياق، أشار معهد الشرق الأوسط (MEI) إلى أن انسحاب الشركات الأجنبية من السوق الإيرانية جراء العقوبات، أتاح للشركات المرتبطة بالحرس الاستحواذ على عقود حكومية ضخمة وغياب أي منافسة خارجية.
اقتصاد الظل والالتفاف على العقوبات
وفرت “اقتصادات العقوبات” بيئة خصبة لتوسيع نفوذ الحرس الثوري. وقد سلطت وسائل إعلام معارضة، مثل “إيران إنترناشيونال” و”راديو فردا”، الضوء على شبكات أعمال واسعة تابعة للحرس استغلت القيود المفروضة على التجارة.
وتعتمد هذه الشبكات على مؤسسات مالية وشركات شحن بحري تدير عمليات معقدة للالتفاف على العقوبات وتمرير النفط والأموال. ومؤخراً، فرضت واشنطن عقوبات على منصة العملات المشفرة “نوبيتكس”، متهمة إياها بتسهيل تعاملات مالية لكيانات تابعة للحرس.
ويرى باحثون أن هذه الأنشطة أفرزت منظومة متكاملة تعتاش على العقوبات، ففي الوقت الذي يرزح فيه الاقتصاد الإيراني تحت وطأة التضخم وانهيار العملة، تستمر هذه المنظومة في جني الأرباح.
هل يخشى الحرس الثوري السلام؟
تشير دراسات نشرها معهد “واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” إلى أن أي اتفاق واسع مع الغرب سيؤدي حتماً إلى عودة الاستثمارات الدولية وتعزيز دور القطاع الخاص الإيراني المستقل. وهذا الانفتاح سيفرض رقابة وشفافية أكبر على العقود الحكومية، مما يهدد الاحتكارات التي بناها الحرس خلال سنوات العزلة.
وفي تصريح لـ”إرم نيوز”، أكد الباحث السياسي المتخصص بالشأن الإيراني، محمد صالح الفتيح، أن القوة الحقيقية للحرس الثوري اليوم تكمن في شبكته الاقتصادية أكثر من بعدها العسكري. وأوضح أن الحرس تحول خلال العقود الماضية إلى طبقة اقتصادية متكاملة تسيطر على المقاولات، والاستيراد، والتمويل، والخدمات اللوجستية.
وختم الفتيح مشيراً إلى أن أي تسوية كبرى لن تقتصر على تخفيف العقوبات، بل ستعني دخول منافسين جدد ومطالبة ملحة بالشفافية، ما يضع امتيازات الحرس تحت ضغط مباشر. ففي حين وفرت الحرب والعقوبات بيئة مثالية لتمدده، يطرح السلام أسئلة مصيرية حول حجم هذا النفوذ ومستقبله.
