لم يكن يوماً عادياً في أروقة البرلمان الإسباني. فقد تحولت القاعة التي تشهد عادةً أعتى التجاذبات السياسية، إلى مسرح لإجماع تاريخي نادر، تجلى في وقوف النواب والتصفيق الحار والمتواصل لمدة وصلت إلى سبع دقائق، هاتفين “يحيا البابا”. الحدث؟ خطاب استثنائي وغير مسبوق للبابا لاوون الرابع عشر، كسر فيه كل التقاليد الدبلوماسية ليضع أصبعه مباشرة على الجروح النازفة في جسد النظام العالمي الحديث.
توبيخ علني لسباق التسلح وخيانة الديمقراطية
في واحدة من أكثر إطلالاته السياسية جرأة وشمولاً، لم يكتفِ البابا بتوجيه رسائل روحية، بل أطلق تحذيرات مدوية من قلب مدريد.
فقد انتقد بوضوح غير مسبوق الارتفاع المخيف في الإنفاق العسكري الأوروبي، والذي سجل أعلى معدلاته منذ نهاية الحرب الباردة، استجابةً لضغوط خارجية قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. واعتبر البابا هذا التسلح بمثابة “خيانة للديمقراطية”، مؤكداً بعبارة حاسمة: “يمكن للأسلحة أن تفرض صمتاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أبداً بناء سلام حقيقي ودائم”.
الذكاء الاصطناعي.. سلاح بلا أخلاق
ولم تغب التكنولوجيا عن رادار الفاتيكان؛ فقد وجه البابا لاوون صرخة تحذيرية للمجتمع الدولي لتوخي “يقظة أخلاقية صارمة” إزاء إقحام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الحروب والصراعات، معتبراً أن العالم اليوم ينزلق في أزمة روحية وثقافية عميقة تتغذى على الاستقطاب والتطرف وتفشي انتهاكات حقوق الإنسان.
دراما الهجرة ومحاكمة الضمير العالمي
وبينما كانت الكلمات تقرع ضمائر الحاضرين، أخذ ملف الهجرة الحيز الأكثر إيلاماً في الخطاب. البابا، الذي وضع جزر الكناري كمحطة ختامية لزيارته ليلتقي بالناجين، وصف أزمة المهاجرين بأنها “دراما مأساوية تتحدى الأساس الأخلاقي للنظام الدولي”.
ورفض البابا حصر القضية في “إدارة التدفقات” البشرية، مطالباً بفتح طرق آمنة وقانونية، وتوفير الاستقبال الكريم للمهاجرين، والعمل الجاد لمعالجة الجذور التي تدفعهم لركوب قوارب الموت، من فقر وحروب وتغير مناخي.
الخلاصة
لم تكن دقائق التصفيق في البرلمان الإسباني مجرد بروتوكول ترحيبي، بل كانت بمثابة اعتراف صريح بصدق وأهمية الرسالة. لقد استطاع البابا لاوون الرابع عشر أن يوقظ في لحظة واحدة الضمير الأوروبي والعالمي، مذكّراً إياهم بأن الحلول العسكرية وتجاهل معاناة الفئات الأكثر هشاشة لن يقودا البشرية إلا إلى هاوية أعمق.
بقلم: أسعد نمور
