تشكل عودة الأسواق السعودية إلى استقبال المنتجات اللبنانية حدثاً اقتصادياً يتجاوز في أهميته مجرد استئناف حركة التصدير، إذ تضع هذه الخطوة لبنان أمام فرصة نادرة لإعادة تحريك قطاعات الإنتاج التي عانت سنوات طويلة من الانكماش والخسائر، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة.
فالسوق السعودية ليست سوقاً عادية بالنسبة للبنان، بل تعد من أكبر الأسواق العربية استهلاكاً للمنتجات الغذائية والزراعية، وتمتلك قدرة شرائية مرتفعة جعلتها لعقود الوجهة المفضلة للمنتج اللبناني. وعندما أُغلقت هذه السوق أمام الصادرات اللبنانية، خسر لبنان واحداً من أهم منافذه التجارية، ما انعكس مباشرة على المزارعين والمصدرين والمصانع وشركات النقل والتوضيب.
وتظهر الأرقام حجم الرهان على هذه العودة. فقبل توقف التصدير، كانت دول الخليج تستوعب نحو 45 في المئة من الصادرات الزراعية اللبنانية، فيما كانت السعودية وحدها تستقبل عشرات آلاف الأطنان من الخضار والفاكهة اللبنانية سنوياً. وتقدر قيمة الصادرات الزراعية اللبنانية إلى الخليج بأكثر من 240 مليون دولار سنوياً، كانت السوق السعودية تستحوذ على حصة أساسية منها.
أما المستفيد الأول من فتح الأسواق فهو بلا شك قطاع التفاح اللبناني الذي عانى خلال السنوات الماضية من أزمات متتالية بسبب صعوبة إيجاد أسواق بديلة قادرة على استيعاب الإنتاج. فالمستهلك الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً اعتاد على التفاح اللبناني ويعتبره من المنتجات ذات الجودة العالية.
ويكتسب الأمر أهمية استثنائية بالنسبة إلى المناطق الجبلية المنتجة للتفاح. ففي قضاء بشري وحده يبلغ الإنتاج في المواسم الجيدة نحو مليون صندوق تفاح سنوياً، أي ما يعادل قرابة 20 ألف طن. وعندما تتوافر أسواق خارجية قادرة على استيعاب هذا الإنتاج، ترتفع الأسعار ويتحسن دخل المزارعين وتتراجع الخسائر الناتجة عن فائض العرض في السوق المحلية.
ولا يقتصر التأثير على التفاح وحده، بل يشمل الكرز والعنب والحمضيات والبطاطا والخضار بمختلف أنواعها، وهي منتجات لطالما وجدت في الأسواق الخليجية وجهتها الطبيعية بسبب قرب المسافة وسرعة النقل والتفضيل التاريخي للمنتج اللبناني.
في المقابل، تبدو الصناعة اللبنانية المستفيد الثاني من هذه الخطوة. فقبل توقف التصدير كانت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية تلامس 220 مليون دولار سنوياً، توزعت بين المنتجات الغذائية والصناعات التحويلية والأدوية ومستحضرات التجميل والمنتجات الكيميائية. وإعادة فتح السوق السعودية تعني عملياً إعادة تشغيل خطوط إنتاج إضافية في عدد من المصانع اللبنانية وزيادة الطلب على اليد العاملة ورفع حجم الصادرات.
لكن التأثير لا يتوقف عند حدود الزراعة والصناعة. فكل دولار يدخل من التصدير ينعكس على شركات الشحن البري والبحري، وعلى مراكز التوضيب والتخزين والتبريد، وعلى المرافئ والمعابر الحدودية، ما يخلق دورة اقتصادية متكاملة يستفيد منها آلاف العاملين في قطاعات مختلفة.
ويرى اقتصاديون أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة تكمن أيضاً في بعدها المعنوي والاستثماري. فعودة المنتج اللبناني إلى السعودية تعني استعادة مستوى من الثقة الخليجية بالاقتصاد اللبناني، وقد تشكل مقدمة لعودة أوسع إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي يفتح الباب أمام زيادة الصادرات واستقطاب استثمارات جديدة.
لذلك لا ينظر إلى فتح الأسواق السعودية كقرار تجاري فحسب، بل كنافذة إنقاذ حقيقية للاقتصاد اللبناني. فبين تفاح بشري وخضار البقاع ومصانع جبل لبنان والشمال، تقف آلاف العائلات اليوم أمام فرصة جديدة لاستعادة جزء من الخسائر التي راكمتها سنوات الإقفال، فيما يترقب الاقتصاد اللبناني بأكمله ترجمة هذه الخطوة إلى أرقام فعلية في الصادرات والإنتاج والنمو.
أخبار لبنان
الرئيسية
مقالات خاصة
خاص_بشرى خير للزراعة والصناعة: تفاح لبنان ينتعش
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- 3 ساعات ago
