كتب أسعد نمور لموقع arab files:
بينما ترتفع سحب الدخان لتغطي سماء الوطن، وتثقل كاهل اللبناني أخبار الموت والدمار والقلق اليومي، انبعث شعاع نور غير متوقع من زقاقٍ عتيق في روما، ليذكر العالم بأن هذا الشعب، حتى في أحلك أوقاته، يمتلك حنجرة تصدح بالحياة وقلباً يرفض أن يتوقف عن النبض بالفرح.
الفنانة اللبنانية الشابة أدريانا دياب، تحوّلت في لمحة بصر إلى أيقونة للأمل وعنواناً لحديث مواقع التواصل الاجتماعي. فبحنجرة ذهبية تحمل دفء شمس بيروت، وقفت وسط حي تراستيفيري الساحر في العاصمة الإيطالية – حيث تفوح رائحة القهوة وتاريخ الفن من الجدران العتيقة – وأدت الأغنية الإيطالية الخالدة “Ti Amo” (أحبك).
لم تكن مجرد أغنية؛ بل كانت دعوة سحرية لملء الفراغ بالجمال. شيئاً فشيئًا، تجمّدت حركة المارة، وبدأت الوجوه تتآلف، والأيدي تصفّق بإيقاع واحد، والأجساد تتمايل بعفوية مطلقة، والشفاه تردد الكلمات خلفها في سيمفونية بشرية عفوية. في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم قد توقف عن الدوران، وصمت ضجيج الحروب والسياسة أمام جلال الموسيقى.
لم ينتشر الفيديو كالنار في الهشيم لجمال صوت أدريانا أو لعفوية اللحظة فحسب، بل لأنه حمل في طياته رسالة أعمق، كُتبت بدموع الفرح الممزوجة بغصة الحنين لدى كل لبناني. ففي وطنٍ أنهكته الأزمات ومزقته الحروب، جاء هذا المشهد ليرسم لوحةً تعبيرية تقول: اللبناني، أينما حل وارتحل، هو سفيرٌ للحياة، يحمل في جعبته الموسيقى والحب، ويمتلك قدرة خارقة على تحويل عتمة الغربة أو وجع الداخل إلى لحظة فرح عارمة تجمع القلوب.
رغم قسوة الحرب الدائرة في لبنان، وما يرافقها من خوف جاثم على الصدور وظلام يلف الليالي، استطاع هذا الفيديو أن يخلق واحة رقمية تتنفس الصعداء. مساحة خضراء نبتت وسط صحراء الأخبار السوداء، ضجت بالضحك، والرقص، والتعليقات الإيجابية التي تفيض فخراً وأملاً.
لقد رأى الكثيرون في أداء أدريانا دياب ما هو أبعد من الغناء في الشارع؛ لقد رأوا فيها صورة اللبناني “الفينق” الذي يرفض الانكسار، الذي يأبى أن يُختزل وجوده في “رقم” ضمن نشرات الأخبار، ويتمسك بطرف ثوب الحياة مهما اشتدت الريح.
ربما لهذا السبب تحديداً انتشر الفيديو بهذا الشكل الجنوني… لأن القلوب المثقلة كانت تتوق لجرعة أكسجين، ولحظة تشبه “الحياة” في أبهى تجلياتها.