خاص- لبنان بين فكّي الممانعة والدولة: قراءة في تصعيد الشيخ نعيم قاسم

كتب جوني فتوحي

يأتي الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ليعيد صياغة المشهد السياسي اللبناني بجرعة مكثفة من التصعيد، واضعاً البلاد أمام مفترق طرق خطير، حيث إن دعوته الصريحة لإسقاط الحكومة بالتزامن مع مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية لا يمكن قراءتها إلا كخطوة استباقية لقطع الطريق أمام أي تسوية قد تحدّ من نفوذ الحزب أو تعيد صياغة توازنات القوة داخلياً.
ولم يكن الهجوم العنيف الذي شنه الشيخ قاسم على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مجرد خصومة سياسية عابرة، بل هو استهداف مباشر للشرعية الدستورية التي تحاول إرساء قواعد جديدة للسيادة، حيث يسعى الحزب من خلال التصويب على رئيس الجمهورية إلى إضعاف موقع الرئاسة لمنع صياغة أي استراتيجية دفاعية وطنية حقيقية، في حين يأتي الهجوم على رئيس الحكومة لفرملة الاندفاعة الرسمية نحو ترتيب البيت الداخلي ووقف تدهور مؤسسات الدولة.
هذا الهجوم المزدوج يعكس قلقاً عميقاً لدى قيادة الحزب من وجود جبهة رسمية متماسكة قد تلتزم بالقرارات الدولية، مثل القرار 1701، وتصر على حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحصرها داخل المؤسسات الشرعية. إن توقيت هذا التصعيد يعيد تسليط الضوء على الأزمة البنيوية التي يعاني منها لبنان منذ عقود، فقد جاء قرار الحزب بالدخول في الحرب مع إسرائيل مدفوعاً بأجندة إقليمية واضحة وبأمر مباشر من طهران، دون أي اعتداد بالمصالح الوطنية اللبنانية العليا أو تداعياتها الكارثية على الشعب والاقتصاد.
وإن إصرار حزب الله على عدم تسليم سلاحه للمؤسسات العسكرية الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، يمثل العقبة الأساسية أمام قيام دولة حقيقية، فلا يمكن لبناء دولة أن يستقيم في ظل “الدويلة” التي تمتلك ترسانة عسكرية موازية وتفرض توازن رعب داخلي وخارجي لا يخدم سوى المصالح الإيرانية في المنطقة، متخذة من الساحة اللبنانية مجرد ورقة تفاوضية على طاولة الكبار.
وفي الخلاصة، فإن الدعوة إلى إسقاط الحكومة في هذا التوقيت بالذات ليست غيرة على لقمة عيش اللبنانيين أو رفضاً للتنازلات، بل هي محاولة صريحة للهروب إلى الأمام ومأسسة الفراغ، لأن حزب الله يدرك أن نجاح المفاوضات تحت سقف السيادة اللبنانية يعني بداية النهاية لزمن “القرار المنفرد”، ولذلك يفضل الحزب هزّ الاستقرار السياسي على أن يرتضي بمرجعية الدولة، مما يجعل المواجهة اليوم مواجهة مصيرية بين منطق الدولة السيدة ومنطق الساحة المفتوحة.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram