في العراق لا تتحرك إيران كدولة حليفة فقط بل كقوة وصاية كاملة تمتلك جيشاً رديفاً وأجهزة أمنية موازية وشبكة مالية وعقائدية وعسكرية عابرة للحدود. ما يسمى “محور المقاومة” في العراق ليس مجرد فصائل متفرقة بل منظومة متكاملة يديرها الحرس الثوري الإيراني عبر غرفة عمليات سياسية وأمنية وعسكرية تتشابك فيها العقيدة مع الاقتصاد مع التهريب مع النفوذ الحكومي. والنتيجة أن بغداد تبدو أحياناً عاصمة لدولة داخل الدولة لا مجرد ساحة نفوذ إيراني.
البنية الأساسية لهذا النفوذ تقوم على “الحشد الشعبي”، المؤسسة التي تأسست رسمياً بعد فتوى الجهاد الكفائي عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش. لكن إيران سرعان ما حولت هذا التشكيل إلى مظلة شرعية لفصائلها الأكثر ولاءً لها. اليوم يضم الحشد عشرات الألوية ويقدّر عديده بما بين 180 و230 ألف عنصر، مع موازنة رسمية تتجاوز 3 مليارات دولار سنوياً بين رواتب وتسليح وتجهيزات، إضافة إلى اقتصاد موازٍ هائل يقوم على المعابر والتهريب والعقود التجارية.
داخل هذه المنظومة تبرز “كتائب حزب الله” بوصفها الذراع الأخطر والأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري. هذه الجماعة تأسست بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وتحوّلت سريعاً إلى النسخة العراقية عن حزب الله اللبناني. عدد مقاتليها يقدّر بين 10 و15 ألف عنصر لكنها تمتلك قدرات تفوق حجمها العددي بكثير بسبب نوعية التسليح والتدريب. تتلقى الكتائب تمويلاً مباشراً من إيران يقدّر بعشرات ملايين الدولارات سنوياً إضافة إلى عوائد اقتصادية من الموانئ والمعابر والجباية المحلية. وهي مسؤولة عن جزء كبير من الهجمات الصاروخية على القواعد الأميركية وعن تطوير شبكة المسيّرات العراقية التي استخدمت في استهداف السعودية والإمارات.
أما “عصائب أهل الحق” بقيادة قيس الخزعلي فهي نموذج آخر عن المشروع الإيراني في العراق. خرجت العصائب من رحم التيار الصدري ثم انفصلت عنه لتتحول إلى تنظيم عقائدي مرتبط بطهران. تمتلك ما بين 10 و20 ألف مقاتل وتدير إمبراطورية سياسية وإعلامية واقتصادية تشمل شركات ومؤسسات وجمعيات. العصائب لا تقوم فقط بوظيفة عسكرية بل تلعب دوراً أمنياً واستخباراتياً داخل العراق وتشارك في إدارة النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة نفسها.
هناك أيضاً “حركة النجباء” بقيادة أكرم الكعبي وهي من أكثر الفصائل التصاقاً بمشروع “ولاية الفقيه”. شاركت في القتال في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد وتلقت تدريبات مباشرة من الحرس الثوري و”فيلق القدس”. أما “سيد الشهداء” و”كتائب الإمام علي” وفصائل أخرى فتشكّل طبقات إضافية من الشبكة الإيرانية التي تتوزع أدوارها بين الأمن والتهريب والتعبئة العقائدية.
الحرس الثوري لا يدير هذه الفصائل من بعيد فقط بل عبر ارتباط تنظيمي مباشر. “فيلق القدس” كان بقيادة قاسم سليماني العقل المدبر لهذه الشبكة قبل اغتياله مطلع 2020 ثم تولى إسماعيل قاآني متابعة الملف العراقي. قادة الفصائل العراقية يتحركون ضمن هيكلية تنسيق شبه يومية مع الإيرانيين تشمل التمويل والتسليح واختيار الأهداف وحتى إدارة الرسائل السياسية.
التمويل الإيراني لا يقتصر على المال المباشر. هناك منظومة اقتصادية كاملة تشمل تهريب النفط والسيطرة على المنافذ الحدودية وفرض الإتاوات على التجارة والاستثمار في شركات النقل والاتصالات والعقارات. بعض التقديرات تتحدث عن اقتصاد موازٍ للفصائل يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً. وهذا ما يفسر كيف تحولت الفصائل من مجموعات مسلحة إلى قوة مالية واجتماعية وسياسية تتحكم بمناطق كاملة.
أما الدور الإقليمي فهو الأخطر. العراق بات منصة لإطلاق المسيّرات والصواريخ نحو الخليج. خلال السنوات الماضية استخدمت فصائل عراقية طائرات مسيّرة إيرانية الصنع لاستهداف منشآت نفطية سعودية ومواقع في الإمارات. بعض الهجمات التي تبنتها جماعات تحمل أسماء غامضة كانت في الحقيقة واجهات لفصائل مرتبطة بكتائب حزب الله أو النجباء. إيران تعتمد هذه الآلية لتأمين “الإنكار السياسي”، أي تنفيذ الهجوم من دون إعلان رسمي إيراني مباشر.
المسيّرات المستخدمة غالباً من طرازات إيرانية معدلة مثل “شاهد” و”مهاجر”، ويتم نقل تقنياتها عبر الحرس الثوري إلى العراق ثم تجميعها محلياً داخل قواعد ومعسكرات سرية. كذلك تستخدم الفصائل صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على ضرب أهداف خليجية أو قواعد أميركية في المنطقة.
المفارقة أن هذه الفصائل لا تعمل فقط ضد خصوم إيران الخارجيين بل داخل العراق نفسه. فهي تفرض موازين قوى سياسية وتشارك في ترهيب الخصوم والسيطرة على القرار الحكومي. ولهذا يبدو العراق في كثير من الأحيان ساحة إيرانية متقدمة أكثر منه دولة مستقلة بالكامل.
المشكلة بالنسبة لدول الخليج ليست فقط في الصواريخ والمسيّرات بل في فكرة “الدولة الميليشياوية” التي بنتها إيران على حدودها الشمالية. فطهران لم تكتفِ بتصدير النفوذ إلى العراق بل بنت هناك جيشاً عقائدياً عابراً للدولة مستعداً للتحرك متى احتاجت الجمهورية الإسلامية إلى ورقة ضغط أو ساحة اشتباك جديدة.