ليست المملكة العربية السعودية في موقع المتفرّج على ما يجري في المنطقة، بل في قلب الاشتباك السياسي الذي يتجاوز الحرب العسكرية إلى إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. فإسرائيل تحاول استثمار الحرب المفتوحة والتوتر الإقليمي لفرض وقائع سياسية جديدة عنوانها التطبيع، فيما تسعى إيران إلى تثبيت نفوذها في الخليج العربي إذا نجح نظامها في تجاوز الضغوط الأميركية والإسرائيلية والخروج بأقل الخسائر.
في هذا المشهد المعقّد، تتحرك الرياض بحسابات دقيقة، مدركة أن أي خطأ في التموضع قد يغيّر موازين المنطقة لعقود. لذلك، تبدو السعودية اليوم بين نارَين: نار المشروع الإسرائيلي الذي يريد تحويل الحرب إلى بوابة للاتفاق الإبراهيمي وتوسيع التطبيع العربي الإسرائيلي، ونار المشروع الإيراني الذي يطمح إلى فرض معادلة قوة جديدة تمتد من الخليج إلى مضيق هرمز.
ورغم الضغوط الأميركية المتزايدة، لا تزال المملكة ترفض القفز فوق القضية الفلسطينية. فالسعودية تعتبر أن التطبيع مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية يشكّل تجاوزاً للقضية المركزية العربية، كما أنه يهدد أي استقرار مستقبلي في المنطقة. ولهذا تتمسك الرياض بموقفها القائم على ربط أي اتفاق مع إسرائيل بحل الدولتين، رافضة تحويل الحرب إلى فرصة سياسية مجانية لحكومة بنيامين نتنياهو.
في المقابل، تتعامل السعودية مع إيران بمنطق مختلف يقوم على الحذر لا المواجهة المباشرة. فالرياض تعرف أن أي ضربة أميركية غير حاسمة ضد طهران قد تؤدي إلى ارتداد إيراني على الخليج العربي، سواء عبر مضيق هرمز أو من خلال أدوات النفوذ المنتشرة في المنطقة. ومن هنا جاء الدعم السعودي لتمديد مهلة التفاوض الأميركي الإيراني، ليس فقط لتأمين الاستقرار خلال موسم الحج، بل أيضاً لاختبار مدى استعداد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للذهاب حتى النهاية في مواجهة إيران.
السؤال السعودي الأساسي اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على ضرب إيران، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمّل نتائج ما بعد الضربة. فأنصاف الحروب بالنسبة إلى الخليج تعني فتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، قد تستعيد فيها طهران قدرتها على التهديد من موقع أكثر تشدداً.
أما إذا انتهت المواجهة بإضعاف النظام الإيراني وإجباره على الانكفاء عن الخليج ومضيق هرمز، ومنعه من تهديد أمن دول الخليج العربي، فإن المنطقة قد تدخل فعلاً مرحلة سياسية جديدة، تتغيّر فيها الحسابات والتحالفات، وربما يُعاد رسم شكل العلاقة بين السعودية وإسرائيل والمنطقة بأكملها.