بيتر جرمانوس : الإنذار الأميركي الأخير

كتب المحامي بيتر جرمانوس الآتي: العقوبات الأميركية الأخيرة لم تعد مجرد أدوات ضغط رمزية تُستخدم ضد حزب الله وقياداته التقليدية، بل تحولت إلى عملية تفكيك تدريجية للبنية الأمنية والسياسية والمالية التي تحمي النفوذ الإيراني داخل لبنان. وزارة الخزانة الأميركية لم تعد تكتفي باستهداف نواب حزب الله أو شبكاته المالية المباشرة، لأن هذا الحزب، ومنذ سنوات طويلة، بات معزولاً عملياً عن جزء كبير من النظام المالي العالمي والعربي، وخصوصاً الأنظمة المصرفية الخليجية والدولية التي تتعامل معه ككيان معادٍ وخاضع للعقوبات.

لذلك، فإن إدراج نواب حزب الله على لوائح العقوبات لم يعد يحمل التأثير الاستراتيجي نفسه الذي كان يحمله قبل عقد من الزمن. الحزب تأقلم مع العزلة، وبنى اقتصاداً موازياً وشبكات تمويل غير تقليدية تمتد من التهريب إلى الاقتصاد النقدي وصولاً إلى الدعم الإيراني المباشر. أما الجديد والخطير اليوم، فهو انتقال العقوبات الأميركية نحو البيئة الشيعية الأوسع، وتحديداً نحو حركة أمل وشخصياتها الأمنية والسياسية.

العقوبات على أحمد أسعد البعلبكي، المسؤول الأمني في حركة أمل، تحمل دلالات تتجاوز الشخص نفسه. فحركة أمل كانت، منذ عام 1983 تحديداً، تُعتبر بالنسبة إلى الغرب والولايات المتحدة “الذراع المقبولة” داخل البيئة الشيعية، فيما كان نبيه بري يُعامل بوصفه الرقم الصعب في التوازنات اللبنانية، والقناة الإلزامية لأي تفاهم داخلي أو خارجي. حتى خلال أشد مراحل الصدام مع حزب الله، حافظت واشنطن على هامش تواصل غير مباشر مع بري، باعتباره جزءاً من التركيبة السياسية اللبنانية التقليدية.

لكن المشهد تغيّر جذرياً. فبعد العقوبات على علي حسن خليل، وزير المالية السابق وأحد أبرز رجال بري، تأتي اليوم العقوبات على البعلبكي، إضافة إلى أسماء أمنية وضباط آخرين، لتقول إن واشنطن لم تعد تفصل بين “الجناح السياسي” و”الجناح الأمني” داخل حركة أمل، ولا بين أمل وحزب الله في ما يتعلق بحماية السلاح الإيراني داخل الدولة اللبنانية.

الأخطر في هذه العقوبات أنها تضرب العلاقة التاريخية بين حركة أمل والرأسمال الشيعي المنتشر في أفريقيا والولايات المتحدة والخليج. هذا الرأسمال، الذي كان يميز بين أمل وحزب الله، سيصبح أكثر حذراً في أي علاقة مالية أو تجارية أو مصرفية مع شخصيات محسوبة على الحركة. وهنا تكمن خطورة القرار الأميركي: عزل تدريجي لحركة أمل عن شبكات التمويل والاستثمار والاغتراب الشيعي التقليدي.

قد تكون هذه العقوبات آخر إنذار أميركي لنبيه بري كي يعيد تموضعه السياسي والأمني، أو ربما بداية مرحلة أكثر قسوة عنوانها الانتقال من معاقبة الأفراد إلى محاصرة البنية الكاملة التي تؤمن الغطاء السياسي والأمني لحزب الله داخل الدولة اللبنانية.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram