في مسارٍ يبدو أقرب إلى خيوط فيلم استخباراتي منه إلى خبرٍ سياسي تقليدي، تتقاطع روايات متعددة حول اعتقال محمد باقر السعدي، القيادي في «كتائب حزب الله»، بين تركيا والولايات المتحدة والعراق، في عملية تُقدَّم على أنها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تتبع شبكات النفوذ العابرة للحدود.
وفق الرواية المتداولة في الدوائر الأميركية، بدأت القصة في تركيا، حيث تم توقيف السعدي قبل أن يُنقل لاحقاً إلى الولايات المتحدة. هناك، في نيويورك تحديداً، ظهر الرجل أمام القضاء الفيدرالي، ليجد نفسه في مواجهة لائحة اتهام ثقيلة لا تتعلق فقط بنشاط محلي أو إقليمي، بل بسلسلة اتهامات تمتد عبر ثلاث قارات.
الادعاء الأميركي يصوّره كعنصر تنسيق في عمليات يُقال إنها شملت ما لا يقل عن 18 هجوماً أو محاولة هجوم، استهدفت مصالح أميركية ويهودية في أوروبا وكندا والولايات المتحدة. وتذهب الاتهامات أبعد من ذلك لتتحدث عن محاولات داخل الأراضي الأميركية نفسها، بينها التخطيط لاستهداف كنيس يهودي في نيويورك، إضافة إلى أهداف في لوس أنجليس وأريزونا.
في هذا الإطار، لا يُقدَّم السعدي كعنصر منفرد، بل كجزء من شبكة أوسع ترتبط، وفق الرواية الأميركية، بـ«قوة القدس» التابعة للحرس الثوري الإيراني. وهي العلاقة التي تعود إلى سنوات، حيث تشير تقارير إلى تنقله المتكرر بين العراق وسوريا ولبنان، ولقاءاته مع شخصيات بارزة في محور النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب ظهوره في مناسبات وصور مع قادة مثل قاسم سليماني وإبراهيم رئيسي.
وتضيف مصادر فصائلية أن السعدي كان يتمتع بهامش حركة واسع نسبياً، مدعوماً بما يُقال إنه «جواز خدمة» يسهّل تنقل شخصيات ذات طابع أمني أو عسكري، ما سمح له بزيارات متعددة إلى دول إقليمية، خصوصاً تركيا، حيث انتهت رحلته الأخيرة بالاعتقال.
لكن الجانب الأكثر حساسية في ملفه، وفق الاتهامات الأميركية، لا يتعلق فقط بتحركاته، بل بدوره المفترض في التنسيق. إذ تتحدث وثائق الادعاء عن أنه كان يحثّ ويوجّه آخرين لتنفيذ عمليات انتقامية ضد مصالح أميركية وإسرائيلية، رداً على التصعيد العسكري في المنطقة، وأنه شارك في تقديم دعم مالي ولوجستي لبعض المخططات، حتى لو كانت بمبالغ محدودة نسبياً.
في المقابل، تبرز أيضاً خلفيته داخل «كتائب حزب الله»، المصنّفة أميركياً كمنظمة إرهابية أجنبية، والتي يُعتقد أنه انخرط في صفوفها منذ عام 2017. كما تُشير بعض المصادر إلى ارتباطات عائلية أو تنظيمية أوسع داخل البيئة الشيعية المسلحة في العراق، بما في ذلك صلات محتملة مع «منظمة بدر».
على المستوى الإعلامي، لم يكن السعدي غائباً عن المشهد الرقمي. فحسابه على منصة «إكس» كان يعكس خطاباً سياسياً حاداً، ينتقد الحكومة العراقية أحياناً، ويتبنى خطاباً داعماً لإيران و«محور المقاومة» في أحيان أخرى، مع منشورات لافتة مثل نشر صورة لخرائط أو مواقع داخل الولايات المتحدة، ما اعتبرته بعض الجهات مؤشراً على اهتمام استباقي بأهداف خارجية.
اليوم، وبينما ينتظر مسار القضية القضائي في نيويورك، يبقى السؤال المفتوح أكبر من مصير فرد: هل يكشف هذا الملف تفاصيل أوسع عن بنية الشبكات الإقليمية، أم يبقى ضمن إطار مواجهة قانونية معقّدة بين واشنطن وخصومها في الشرق الأوسط؟
في كل الأحوال، يبدو أن اعتقال السعدي لم يُغلق ملفاً بقدر ما فتح باباً جديداً على مرحلة أكثر حساسية، تتداخل فيها السياسة بالأمن، والحدود بالعمليات السرية، في مشهد لا يزال في بدايته.