من 7 أيار إلى “حرب الإسناد”: لبنان بين مطرقة الاحتلال وسندان الدويلة.

اليوم 7 أيار، يكون قد مضى 18 سنة على ذلك اليوم، الذي تم فيه قتل الأبرياء بدم بارد وروعت العاصمة التي فرض عليها حزب السلاح الإيراني السواد. في ذلك اليوم تُركت بيروت لمصيرها. لم يكن يوماً مجيداً كان يوم حقدٍ على العاصمة وأهلها، كان يوم الذهاب بعيداً في قضم السلطة والتحكم بالمؤسسات لتجويف الدولة. وتوج يوم قهر العاصمة وأهلها وسكانها في مؤتمر الدوحة الذي منح الثنائي المذهبي حق الفيتو على الدولة: “الثلث المعطل”.
منذ ذلك التاريخ تخلت الأكثرية الآذارية عن التفويض الشعبي( إنتخابات 2005 وبعدها إنتخابات 2009)، وكما خافت تلك القيادت من شعبها فغدرت بإنتفاضة الإستقلال عام 2005، كرست المنحى إياه في الدوحة، فخذلت الذين منحوها الثقة وقدمت مصالحها الضيقة فسلمت بمنحى هيمنة نظام الملالي فكانت التسوية الرئاسية المشينة عام 2016، وتسليم قرار البلد للدويلة التي تحولت إلى دولة داخل الدولة. فطال الغدر كل اللبنانيين، عندما نهب التحالف المافياوي السياسي البنكرجي الميليشياوي جني الأعمار فحوصر الناس بالفاقة والعوز والذل.. والأخطر أن العاصمة تركت لمصيرها تنام على وسادة شبه نووية تفجرت يوم 4 آب 2020!
ولتاريخه لم ينصف مواطن ولم تنصف العاصمة وما زالت العدالة معلقة وحقوق الناس منتهكة ولم يمس قانون الإفلات من العقاب. والخطير بالأمر أن لا شيء تبدل فعلياً من سواد المرحلة السابقة وموبقاتها، رغم التغيير الكبير في السلطة مطلع العام 2025 مع بدء عهد جديد وحكومة حمل تأليفها الكثير من الوعود. حدث التغيير في قمة السلطة بعد الزلزال اللبناني كنتيجة لجريمة حرب “إسناد” غزة.. لكن المراوحة التي حكمت آداء السلطة مع حكومة اشبه بكونفدرالية قوى طائفية، أبرزت هوة كبيرة بين مستوى القرار ومستوى التنفيذ، خصوصاً لجهة تنفيذ القرارات التاريخية بحصر السلاح وبسط السيادة، ما ترك الأبواب مشرعة أمام الفيلق اللبناني في فيلق القدس لأخذ البلد قسراً إلى حرب “إسناد” نظام الملالي والثأر للخامنئ.
ومنذ 2 آذار وضع البلد تحت مطرقة العدو الإسرائيلي وسندان العدو الإيراني، فإستدرج الإحتلال مجددا والحصيلة لتاريخه تهديد بضياع كل الجنوب، الذي قسمه المحتل بين خط أصفر يشمل نحو 70 بلدة يتم مسحها عن الخريطة، وخط أحمر يشمل أكثر من 50 بلدة هي عرضة لتدمير ممنهج بعدما فرض العدو تهجير أبنائها قسراً.. وقد يطال التهجير كل ما بين نهري الليطاني والزهراني وربما أبعد بعدما بات جنوب الليطاني خالياً من البشر وعمرانه مدمر، وخطر كبير محدق بمدينة النبطية ويُخشى أن يكون مصيرها مشابه لمصير بنت جبيل!
حرب الثأر للخامنئي فرضت الذهاب للتفاوض المباشر مع العدو، لمنع تراكم الخسائر والحد من الهزيمة، وحماية الأرواح وحماية المتبقي من عمران الجنوب، وحماية البلد الذي وضعه العدو الصهيوني تحت وطأة عقاب جماعي..وإنفلت التخوين، لأن الثنائي المذهبي، وبالأخص حزب الله، أخذ البلد إلى حرب مدمرة لكي يكون لبنان ورقة في الملف الإيراني بيد الحرس الثوري غير آبه بما جرّه من كوارث وما أحدثه من نكبة شيعية سيمر الكثير من الوقت لإدراك كل تداعياتها.
مرة أخرى في هذا التوقيت يرتدي القرار الحكومي جعل “بيروت آمنة خالية من السلاح” أهمية كبرى، لأن تنفيذه يمكن أن يكون الورقة الأساسية بيد المفاوض اللبناني، عن القدرة على تقديم نموذجٍ يمكن أن يتعمم تباعاً على كل لبنان، ويمكن لتنفيذه أن يزيل الكثير من السواد الذي ضرب العاصمة قبل 18 سنة!
واليوم مع كل ما يتردد بشأن تسوية ما بين واشنطن وطهران، وبعد الدمار الكبير الذي لحق بإيران على كل المستويات، واهم من يظن أن لنظام الملالي القدرة على تسويق الشعارات إياها، وكذلك المضي بمخطط مشروع إيران الكبرى من بحر قزوين إلى البحر المتوسط.. والوهم أكبر حيال أي تفكير لدى الحرس الثوري ووكيله في لبنان على الإستمرار في الإستباحة التي عرفها البلد خلال العقدين الماضيين، والمضي في نهج تحميل اللبنانيين ما يفوق قدرتهم على الإحتمال. لكن بنفس الوقت من الوهم تصور أن حزب السلاح الإيراني سيتخلى طوعاً عن الدور الذي تم تأسيسه من أجله. هنا يبقى الأساس: بيروت منزوعة السلاح ومعها يتم الذهاب إلى إستكشاف المواقف(..) وحذار من الضغوط التي تزين طريق حوار بشأن السلاح اللاشرعي وكسر القرارات الحكومية. لأن مثل هذا المنحى الذي ألمح إليه رئيس الحكومة بالأمس، لو تم الذهاب إليه، وقد تم تجريبه عدة مرات وكانت الحصيلة مزيد من تغول الدويلة، لن يوقف من وتيرة الإعتداءات الإسرائيلية كما لن “يقنع” طهران بأي تراجع بعدما تسببت بكل هذه الويلات للبنان.
في السياق ينبغي التوقف عند أبعاد الضربة الكبيرة التي تلقاها حزب الله أمس في الضاحية الجنوبية بسقوط قائد عمليات قوة “الرضوان” مالك بلوط . فإلى كون العملية قد طالت أبرز القادة العسكريين في حزب الله والذي تسلم هذه القيادة زمن حسن نصرالله بعد مقتل مسام الطويل القائد السابق لهذه القوة يوم 8 كانون أول 2023، فقد إرتدى الإعلان عن العملية أهمية إستثنائية لأنه صدر ببيان مشترك باسم مجرمي الحرب نتنياهو وكاتس بما يدل على بنك أهداف جديدة يستعد العدو لوضعها قيد التنفيذ. وليس قليل الأهمية أن يتزامن ذلك مع إعلان رئيس أركان جيش العدو زمير من مدينة الخبام المدمرة أن لا قيود على إسرائيل في إستخدام القوة في لبنان!
الوقت كالسيف والسلطة مطالبة بعدم تفويت أي فرصة لتأكيد موقعها ومكانتها وجديتها في إستعادة الثقة في مسار حماية البلد وإنقاذ أهله، والتاريخ لا يرحم.
وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، وما تستثني حدن منن.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram