لم يعد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف باسم IMEC، مجرد إعلان سياسي أو رؤية طموحة أُطلقت في عهد جو بايدن، بل دخل عملياً مرحلة التنفيذ التدريجي، مع اندفاعة واضحة لاستكماله في ظل إدارة دونالد ترامب. المشروع الذي يربط القارات الثلاث، يقوم على إعادة تعريف طرق التجارة العالمية، عبر نقل جزء أساسي من حركة البضائع من البحر إلى البر، مستفيداً من شبكة سكك حديدية وبنى تحتية متطورة تمتد من الهند، مروراً بدول الخليج والشرق الأوسط، وصولاً إلى أوروبا.
جوهر هذا المشروع يتمثل في إنشاء خط قطار استراتيجي لنقل البضائع، يتحول إلى شريان اقتصادي جديد، لا يقتصر على السكك الحديدية فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة من الألياف البصرية، وخطوط الطاقة، وأنابيب النفط والغاز. هذه البنية التحتية الموازية تعكس فهماً أعمق لطبيعة الاقتصاد الحديث، حيث تتقاطع التجارة مع التكنولوجيا والطاقة في شبكة واحدة مترابطة.
في قلب هذه المعادلة، تبرز إسرائيل كمحور لوجستي أساسي، تسعى من خلاله إلى التحول إلى جسر بري بين الشرق والغرب. الخطط الموضوعة تتضمن نقل البضائع من الهند عبر دول المنطقة إلى الأراضي الإسرائيلية، حيث يتم تحويلها إلى موانئ البحر المتوسط، ومن هناك إلى الأسواق الأوروبية. هذه الآلية تتيح تقليص الزمن والتكاليف، خصوصاً للبضائع الحساسة للوقت وذات القيمة المرتفعة.
وتكتسب هذه المقاربة زخماً إضافياً في ظل الاضطرابات التي شهدتها الممرات البحرية التقليدية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، حيث أظهرت الأزمات المتكررة مدى هشاشة الاعتماد الكامل على النقل البحري. من هنا، يأتي المشروع كبديل جغرافي واستراتيجي يهدف إلى تأمين تدفق السلع بعيداً عن الاختناقات البحرية أو التهديدات الأمنية.
اقتصادياً، تشير التقديرات الأولية إلى إمكانية تحقيق عائدات سنوية كبيرة للدول المشاركة، عبر رسوم العبور وتشغيل المرافق اللوجستية. وفي الحالة الإسرائيلية، يُتوقع أن يصل الدخل إلى نحو مليار شيكل سنوياً حتى في المراحل الأولى المحدودة من التنفيذ. كما أن تدفق البضائع بكميات ضخمة قد يساهم في خفض كلفة المعيشة، نتيجة زيادة العرض وتعزيز المنافسة.
على المستوى التنفيذي، بدأت الخطوات العملية بالظهور، مع خطط لشق مقاطع جديدة من السكك الحديدية، أبرزها الربط بين منطقة بيسان ومعبر نهر الأردن، بهدف وصل الشبكة الإسرائيلية بامتدادها الإقليمي. كما يجري العمل على توسيع القدرة الاستيعابية للمعابر الحدودية، لتواكب الزيادة المتوقعة في حركة الشحن، مع رفع عدد الشاحنات من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف سنوياً، إلى جانب إنشاء موانئ برية ومراكز لوجستية متقدمة.
غير أن التحدي الأمني يبقى عنصراً محورياً في نجاح المشروع. لذلك، يجري تطوير منظومات حماية متقدمة تعتمد على التكنولوجيا، تتيح تفتيش القطارات والبضائع دون تعطيل حركتها، بما يضمن سرعة النقل مع الحفاظ على أعلى معايير الأمان. هذا الدمج بين الأمن والتكنولوجيا يعكس إدراكاً لحساسية المشروع في بيئة إقليمية معقدة.
سياسياً، يتجاوز المشروع أبعاده الاقتصادية ليصبح أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فهو يعكس توجهاً واضحاً نحو دمج إسرائيل في النسيج الاقتصادي للشرق الأوسط، مستفيدة من اتفاقيات التطبيع، ومن تنامي التعاون مع دول الخليج، إضافة إلى علاقاتها القائمة مع الأردن ومصر في مجالات الطاقة والتجارة. هذا التحول يعيد رسم خرائط النفوذ، ويمنح الدول المشاركة موقعاً متقدماً في النظام التجاري العالمي الجديد.
في المقابل، يطرح المشروع تحديات جدية أمام الدول التي قد تجد نفسها خارج هذا المسار، أو التي تعتمد اقتصادياً على الممرات البحرية التقليدية. كما يفتح الباب أمام تنافس دولي محتدم، في ظل سعي قوى كبرى لتأمين مصالحها التجارية والاستراتيجية عبر هذا الممر الجديد.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى “قطار الهند” كمجرد مشروع بنى تحتية، بل كتحول استراتيجي شامل يعيد تعريف الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. إنه مشروع يختصر تداخل الاقتصاد بالسياسة والأمن، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع والتكامل في آن واحد، حيث تصبح خطوط السكك الحديدية خطوط نفوذ، وتتحول التجارة إلى أداة لإعادة رسم ملامح الشرق الأوسط.