كشفت تقديرات غير معلنة من داخل “حزب الله” أن الجماعة تكبدت خسائر فادحة وثمناً باهظاً جراء المواجهات الأحدث مع إسرائيل، التي اندلعت في الثاني من مارس/آذار الماضي. وأسفرت الحرب عن احتلال إسرائيل لأجزاء من جنوب لبنان، وتشريد مئات الآلاف من أنصار الحزب، فضلاً عن مقتل آلاف المقاتلين.
وإلى جانب الخسائر الميدانية، واجه الحزب تداعيات سياسية داخلية غير مسبوقة؛ إذ تصاعدت حدة المعارضة لسلاحه في العاصمة بيروت. ويعتبر خصوم الحزب وشريحة واسعة من اللبنانيين أن هذا التسلح زجّ بالدولة في حروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”.
حصيلة القتلى: أرقام رسمية وجثث لم تُنتشل
تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل أكثر من 2600 شخص منذ الثاني من مارس، يمثل النساء والأطفال والمسعفون خُمسهم تقريباً، علماً أن هذه البيانات لا تفرق بين المدنيين والمسلحين.
في المقابل، أكدت ثلاثة مصادر لرويترز، بينها مسؤولان في حزب الله، أن أرقام الوزارة لا تشمل عدداً كبيراً من قتلى الجماعة. وأوضحت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي الحزب قُتلوا، رغم عدم وجود إحصاء نهائي حتى الآن.
ميدانياً، كشف قائد عسكري في الحزب أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى خطوط المواجهة في بنت جبيل والخيام بنية القتال حتى الموت، ولا تزال جثثهم في أرض المعركة ولم تُنتشل بعد. وفي قرية ياطر الجنوبية وحدها، سُجل مقتل 34 مقاتلاً.
أما في الضاحية الجنوبية لبيروت، فقد امتلأ أكثر من 20 قبراً حُفرت حديثاً بجثث مقاتلين وقادة في الأيام التي تلت سريان وقف إطلاق النار. من جهتها، نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله صحة الأرقام التي تتحدث عن مقتل آلاف المقاتلين في هذه الحرب.
تداعيات سياسية ومفاوضات غير مسبوقة
أدت الحرب إلى متغيرات سياسية جذرية؛ ففي أبريل/نيسان 2026، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل للمرة الأولى منذ عقود، وهو تحرك عارضه حزب الله بشدة.
كما حظرت الحكومة أنشطة حزب الله العسكرية في الثاني من مارس، تزامناً مع مساعي الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام المستمرة منذ العام الماضي لنزع سلاح الحزب سلمياً. في حين طالب حزب الله الحكومة بالتراجع عن قرار الحظر وإنهاء المحادثات المباشرة.
وعند إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل الماضي، اشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نزع سلاح حزب الله كأساس لأي محادثات سلام. ورد الحزب باستبعاد إلقاء سلاحه، معتبراً أن القضية خاضعة حصراً للحوار الوطني.
استراتيجية الحزب وتوازنات طهران
سياسياً، نفى النائب عن حزب الله، إبراهيم الموسوي، أن يكون الحزب قد استأنف القتال نيابة عن إيران، مؤكداً أن الهدف كان كسر “الحلقة المفرغة” التي تتيح لإسرائيل الاستهداف والاغتيال دون رادع. ورغم إقراره بحجم الأضرار في الجنوب، اعتبر الموسوي أن حسابات الخسائر البشرية تتراجع عندما تكون الكرامة والسيادة على المحك.
من جهة أخرى، وصف دبلوماسي مطلع قرار الحزب بدخول الحرب بأنه “مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء”، لضمان حجز مقعد له في أي تسوية إقليمية مستقبلية.
وأكد أكثر من 12 مسؤولاً في الحزب لرويترز أنهم يسعون لقلب الموازين عبر التحالف مع طهران. وترتكز حساباتهم على أن انخراطهم سيجعل لبنان جزءاً من المفاوضات الأميركية الإيرانية، مما قد يثمر عن وقف إطلاق نار أكثر متانة من اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024. يُذكر أن صراع 2024 تسبب بخسائر قاسية للحزب، أبرزها مقتل أمينه العام حسن نصر الله ونحو خمسة آلاف مسلح، مما أضعف هيمنته التاريخية على الدولة.
تحصينات إسرائيلية وانهيار الهدنة
على الجانب الإسرائيلي، تواصل القوات ترسيخ منطقة عازلة تمتد لـ 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، عبر هدم القرى بحجة حماية الشمال من هجمات المتمركزين في المناطق المدنية.
وصرح مسؤول حكومي إسرائيلي بأن حزب الله هو من خرق هدنة نوفمبر 2024 بإطلاق النار في الثاني من مارس، متوعداً بالقضاء على التهديد وتدمير بنية الحزب التحتية. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في الجنوب اللبناني ومدنيين اثنين في الشمال.
في المقابل، واصل حزب الله هجماته، معتبراً أن وقف إطلاق النار المُعلن في أبريل “لا معنى له” في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية.