خاص_إيران تراوغ ترامب

مرة جديدة، تثبت طهران أنها تفاوض العقل البارد وتقاتل بالسياسة قبل أي شيء آخر. الرد الإيراني المؤلف من 14 بندًا على المقترح الأميركي لا يمكن قراءته كوثيقة تقنية فحسب، بل كخريطة مناورة متكاملة تهدف إلى إعادة ترتيب ميزان القوى، لا إنهاء الحرب فقط.
إيران لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها ترفض شكله. هي لا تريد هدنة طويلة تُدار تحت السقف الأميركي، بل تسعى إلى حسمٍ سريع خلال 30 يومًا يفرض وقائع جديدة على الطاولة. الفارق هنا جوهري: واشنطن تبحث عن تجميد الصراع، فيما طهران تريد إعادة تعريفه.
في عمق هذا الطرح، تقدّم إيران مقايضة واضحة: فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار والعقوبات. هذه ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل رسالة استراتيجية تقول إن أمن الطاقة العالمي يمكن أن يكون ورقة تفاوض، لا خطًا أحمر ثابتًا. ومن خلال تأجيل البحث في الملف النووي، تحاول طهران تفكيك عناصر الضغط، بندًا بندًا، بدل مواجهتها دفعة واحدة.
الأخطر في الطرح الإيراني ليس ما أُعلن، بل ما بين السطور. طلب ضمانات بعدم استهدافها مستقبلًا، وسحب القوات الأميركية من محيطها، ودفع تعويضات، كلها شروط تتجاوز منطق التسوية إلى منطق إعادة الاعتراف بدور إقليمي موازٍ للنفوذ الأميركي.
أما إدراج “إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان”، فهو ليس تفصيلًا. إنه تثبيت لمعادلة ربط الساحات، حيث لا يمكن فصل أي جبهة عن الأخرى، في محاولة واضحة لفرض شمولية الحل أو شمولية التصعيد.
في المقابل، يبدو موقف دونالد ترامب أكثر حدّة وأقل مرونة. وصفه المقترح بـ”غير المقبول” يعكس ذهنية تفاوض تقوم على فرض الشروط، لا تبادلها. لكن في الوقت نفسه، الحديث عن خطط لضربات كبرى يكشف أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا، ولو كورقة ضغط أخيرة.
بين طهران وواشنطن، لا يجري تفاوض تقليدي، بل لعبة عضّ أصابع طويلة. إيران تناور لتكسب الوقت وتعيد ترتيب أوراقها، وترامب يلوّح بالقوة لفرض تنازلات. لكن النتيجة حتى الآن واضحة: لا اتفاق قريب، بل سباق بين الدبلوماسية والتصعيد.
في هذه المساحة الرمادية، تكمن حقيقة المشهد: إيران لا ترفض الحل، لكنها تريد أن تكتبه بشروطها.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram