هل “قدّمت” طهران أزمتها الداخلية… على “ذراعها” اللبنانية!؟


بقلم جورج شاهين
قلبت الخيارات الإيرانية الجديدة أولويات المفاوضات على المسار الأميركي ـ الإيراني قبل أن يُعقد لقاء “إسلام آباد 2″، بعدما تفاقمت أزمتها، نتيجة الخلاف بين أعضاء الوفد المفاوض وقيادة الحرس الثوري الإيراني، من دون أن يحسم المرشد الجديد مجتبى خامنئي الخلاف القائم بينهما. وما زاد في الطين بلّة، الحصيلة الضاغطة المباشرة للحصار الأميركي على الحصار الإيراني لمضيق هرمز. وعليه، هل قدّمت طهران أزمتها الاقتصادية على بقية الملفات، ومنها ملف ذراعها الأقوى في لبنان
لم يضف ما كشفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الوضع الداخلي في إيران شيئا على ما هو متداول من معلومات عن تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والمالية فيها، والتي انعكست مباشرة على مصير المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي كانت تحظى بزخم كبير، تحضيراً لطاولة “إسلام آباد 2”. بعد أن عطّلت الخلافات الداخلية موعدين على الأقل. والتي كان فيهما الوفد الأميركي مستعداً للتوجّه إليها. ذلك انّ رئيس الأركان الباكستاني عاطف منير لم ينجح في إحضارهم، على رغم من الجهود التي بذلها في زياراته المكوكية بين عاصمة بلاده وطهران وعواصم خليجية، التقى فيها شركاء له، وبقيت طي الكتمان.
وفي انتظار التثبت من دقّة كلام ترامب، الذي قال أول أمس حرفياً “إنّ ايران أبلغتنا للتو أنّها في حالة انهيار، وهي تريد منّا فتح مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن”، وقد لاقاه في إشارته مسؤول باكستاني كبير بقوله لـ “واشنطن بوست”، إنّ “طهران تطلب من واشنطن رفع الحصار عن موانئها مقابل إعادة فتح مضيق هرمز”، وهو كلام نُسب سابقاً إلى كبير الوسطاء الباكستانيين الجنرال منير، قبيل الموعد المنهار لعقد “طاولة إسلام آباد 2” بين الطرفين، وتحديداً الأحد ما قبل الماضي في 19 نيسان، والذي كان متوافقاً مع نهاية المهلة القصيرة التي مدّد فيها ترامب وقف النار من جانب واحد حتى ذلك اليوم.
على هذه الخلفيات، كشفت مصادر ديبلوماسية في واشنطن، انّ المواقف الأميركية والباكستانية شكّلت رسالة قاسية لإيران، ولم توجّه خطأ إلى كل من يعنيهم الأمر، خصوصاً أنّها أُرفقت بمهلة قصيرة جداً للردّ الإيراني على ما هو مطروح عليها، من مشروع اتفاق وضعت مسودته الأولى في عهدة الجانبين الباكستاني وعُمان، التي قصدها وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بعد زيارته الطويلة لإسلام آباد، من دون أن يعطي جواباً حاسماً، يؤكّد تفهمّه لمضمون الرسالة. لا بل فقد فُهمت عودته من مسقط إلى إسلام آباد رفضاً مبطناً لها. وزاد الاعتقاد، أنّ إيران قد رفضتها عندما توجّه عراقجي إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، بدلاً من عودته إلى طهران للبت بالموعد المقترح لاستئناف المفاوضات في جولتها الثانية.
وبناءً على ما تقدّم، أضافت المراجع الديبلوماسية عينها، انّ إيران لم تتجاهل الرسالة الباكستانية – الأميركية المشتركة، لا بل أرادت من خلال اقتراحها تجزئة مسار المفاوضات وفق أولويات جديدة، الذي سلّمته إلى الجنرال منير قبل جولة عراقجي على إسلام آباد ومسقط وموسكو، أن تؤكّد انّها ما زالت على موقفها السابق، الذي رفضه ترامب. وهو قال بإعطاء الاولوية للملف الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن الحصار البحري المحكم، وتقديمه على بقية القضايا بعناوينها النووية والصاروخية، كما بالنسبة إلى الأذرع المنتشرة في الخارج وخصوصاً في لبنان. وهي عملية فرضها تردّي الوضع الداخلي الناجم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وبوادر الانهيار المالي وتقنين الطاقة الكهربائية إلى درجة لم تعرفها البلاد من قبل.
واستطردت المصادر نفسها، انّ ايران أجرت تعديلاً كبيراً في أولوياتها، وقدّمت ملف فك الحصار الأميركي على موانئها، وما يمكن أن يتسبب به وقف تصدير النفط والغاز، ومخاطر تخزين كميات كبيرة منها لا يمكن تخزينها في مستودعات “الاحتياطي الاستراتيجي”، إلى درجة قد تنقلب فيها الأمور رأسا على عقب. وهو أمر يطرح السؤال إن كانت طهران ستضحّي بأذرعها في المنطقة والتخلّي عن دعمها، وخصوصاً انّه لم يبق لها سوى “حزب الله” الذي يقال انّه درّة تاجها في لبنان، بعد تراجع الرهان على الحوثيين في اليمن، الملتزمين بما نُشر من تفاهم مع الادارة الأميركية لوقف اعتداءاتهم على المصالح الأميركية في البحر الأحمر، وتقنينها بالنسبة إلى الإسرائيليين إلى الحدود الدنيا، إلى درجة قيل انّهم خرجوا من نظرية “وحدة الساحات”. ولما سلكت المعالجات طريقها في ملف تشكيل الحكومة العراقية بتراجع الموالين لإيران عن تسمية نوري المالكي لهذه المهمّة، انكفأت الساحة العراقية وبقيت الساحة اللبنانية وحيدة، كركيزة واحدة من مربّع “وحدة الساحات”، بعدما فقدت ذراعها في سوريا نهائياً وباتت في المقلب الآخر.
واستناداً إلى ما تقدّم، يفترض في رأي الديبلوماسيين العاملين على خط المفاوضات في مجمل وجوه الأزمة التي تشهدها ساحات المنطقة، أن تنصرف للبحث عن مصير ذراع إيران في لبنان، وهو أمر قد يؤدي الى البحث الجدّي في مصير سلاح الحزب، لوضع حدّ للنكبة التي حلت بلبنان، وتسليم ما يمكن تسليمه إلى الجيش اللبناني واسترداد إيران لتلك التي لا تتلف، ونوعية تسليح الجيش اللبناني وإخلاء ضباط وخبراء الحرس الثوري الإيراني لبنان نهائياً، بعد الخروج من حصون الحزب وأنفاقه المنتشرة في بعض المناطق المعتلمة، ومنها التي تشكّل مخازن للصواريخ ومصانع تجميع الطائرات المسيّرة، التزاماً بأحد أبرز البنود المؤدية إلى وقف نار نهائي وشامل في لبنان، وتسريع الخطوات لإنهاء الحرب وضمان الانسحاب الاسرائيلي والإفراج عن الأسرى توطئة لبدء عملية الإنماء والإعمار. وعندها لن تعود هناك أي اهمية لأي خطوة سياسية تستند إلى واقع جديد بكل معالمه السياسية والعسكرية.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram