انسحاب الإمارات من أوبك: كيف تتأثر أسواق النفط؟

في خطوة تشكل تحولاً جذرياً في أسواق الطاقة، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها رسمياً من منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” وتحالف “أوبك بلس” بدءاً من الأول من مايو/أيار المقبل. ويأتي هذا القرار، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية، بعد مراجعة شاملة لإستراتيجية الإنتاج، بما يتماشى مع الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد للبلاد وتسريع وتيرة استثماراتها في قطاع الطاقة.

أبعاد إستراتيجية تتخطى حصص الإنتاج

يصف الخبير في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، في حديثه لـ”الجزيرة نت”، الخطوة الإماراتية بأنها “تحول إستراتيجي عميق في بنية سوق النفط العالمي” يتجاوز كونه قراراً تقنياً. ويوضح أن أبوظبي تسعى للتحرر من قيود نظام الحصص، لتعظيم طاقتها الإنتاجية بشكل مستقل، تزامناً مع خططها التوسعية للسنوات القادمة.

من جانبه، يرى الخبير النفطي مصطفى البزركان أن القرار “اقتصادي سياسي إستراتيجي” بامتياز، ويأتي استجابةً لتشكل نظام طاقة عالمي جديد يعيد رسم خريطة المنتجين والمستهلكين وشبكات النقل، مما دفع الإمارات للتحرك بهدف التكيف مع هذه المتغيرات.

السياق الجيوسياسي: حرب إقليمية وإغلاق هرمز

لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن التوترات الجيوسياسية الحادة في المنطقة. ويوضح السعدي أن الحرب مع إيران واضطرابات مضيق هرمز كشفت عن هشاشة التنسيق داخل “أوبك” وأضعفت مستويات الثقة بين أعضائها، مما يرجح أن يكون الأثر السياسي للانسحاب أكبر من تأثيره المباشر والفوري على تدفقات الخام.

ويضيف البزركان أن القرار جاء في أعقاب “العدوان الإيراني على مرافق النفط والغاز والتكرير في دول الخليج العربي”، ثم الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. هذه التطورات الخطيرة فرضت على الدول المنتجة إعادة تقييم تموضعها لضمان استقرار أسواق النفط والغاز المسال والطاقة المتجددة مستقبلاً.

وفي السياق ذاته، أكدت وكالة الأنباء الإماراتية أن الاضطرابات في الخليج العربي ومضيق هرمز ستستمر في التأثير على ديناميكيات العرض على المدى القريب، في حين تشير التوقعات الأساسية إلى استمرار نمو الطلب العالمي على الطاقة على المديين المتوسط والبعيد.

ورغم أن خروج الإمارات يمثل “ضربة كبيرة” للمنظمة المصدرة للنفط، بحسب وكالة “رويترز”، فإن الأسواق حالياً تتأثر بشكل أكبر بالمعطيات الميدانية، وعلى رأسها الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

لغة الأرقام: فجوة واسعة بين القدرة والإنتاج الفعلي

تسلط لغة الأرقام الضوء على الفجوة الكبيرة بين قدرة الإمارات الإنتاجية وحصصها المقررة سابقاً في “أوبك بلس”:

  • القدرة الإنتاجية: تبلغ حالياً 4.85 ملايين برميل يومياً (بحسب شركة “أدنوك”)، مع هدف للوصول إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027.
  • الحصص المقررة: كان يُفترض أن يبلغ إنتاج الإمارات 3.44 ملايين برميل يومياً في مايو/أيار المقبل، مقارنة بـ 3.42 ملايين في أبريل/نيسان الحالي، و3.41 ملايين في فبراير/شباط ومارس/آذار الماضيين.
  • الإنتاج الفعلي: أظهرت بيانات تقرير “أوبك” لشهر أبريل/نيسان 2026 أن الإنتاج بلغ 3.383 ملايين برميل يومياً في يناير/كانون الثاني، و3.390 ملايين في فبراير/شباط، قبل أن يتهاوى إلى 1.908 مليون في مارس/آذار، وفقاً للمصادر الثانوية.

هذه الفجوة، كما يؤكد السعدي، تجعل البقاء ضمن منظومة حصص صارمة أقل انسجاماً مع طموحات الإمارات التوسعية التي تستهدف رفع الإنتاج بمقدار كبير في المرحلة الأولى.

واقع الأسواق ومستقبل “أوبك”

شهدت أسعار النفط قفزات ملحوظة؛ إذ زاد متوسط سلة خامات “أوبك” في مارس/آذار الماضي بنحو 48.46 دولاراً للبرميل على أساس شهري، ليصل إلى 116.36 دولاراً. كما ارتفع خام “برنت” القياسي إلى 99.60 دولاراً، وصعد خام “عُمان” إلى 124.56 دولاراً.

وتتوقع “أوبك” نمو الطلب العالمي على النفط بنحو 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2026، مما يرفع إجمالي الطلب على خام دول “إعلان التعاون” (الذي أسس تحالف أوبك بلس في ديسمبر 2016 ويضم 22 دولة حالياً) إلى 42.9 مليون برميل يومياً هذا العام.

وكانت 8 دول من التحالف قد أوقفت زيادات الإنتاج المجدولة في الربع الأول من 2026 (يناير، فبراير، مارس) لأسباب موسمية، ثم فعلت زيادة جماعية محدودة قدرها 206 آلاف برميل يومياً في أبريل ومايو، مع الاحتفاظ بحق التراجع أو الإيقاف وفقاً لظروف السوق.

ويخلص الخبير العراقي نوار السعدي إلى أن انسحاب الإمارات سيؤدي اقتصادياً إلى إضعاف تماسك “أوبك” وتقليل قدرتها على إدارة الأسعار عالمياً، محذراً من أن سوق النفط قد تكون أمام “بداية تفكك تدريجي” لنظام إدارة المعروض، تمهيداً للانتقال نحو سوق أكثر حرية ولكنها أشد اضطراباً وتقلباً. ومع ذلك، قد يبقى التأثير قصير المدى محدوداً بسبب القيود اللوجستية الحالية في منطقة الخليج، ليبقى الوضع الأمني هو المحرك الفعلي للأسواق في المرحلة الراهنة.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram