كل التفاصيل
لم تعد ورقة التفاهم بين لبنان وإسرائيل مجرّد هدنة تقنية لوقف إطلاق النار، بل تحوّلت إلى إطار سياسي – أمني متكامل يعكس موازين القوى ويؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الصراع. قراءة البنود الأساسية، بعيداً عن اللغة الديبلوماسية، تكشف بوضوح طبيعة هذا التحوّل وحدوده.
البند الثالث، الذي يمنح إسرائيل حق اتخاذ “كافة الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس” في أي وقت، يشكّل الثغرة الأكبر في مفهوم الهدنة. عملياً، لا يفرض هذا النص توازناً متبادلاً، بل يكرّس حقاً أحادياً لإسرائيل بتقدير التهديد والتصرف على أساسه، حتى في ظل وقف الأعمال العدائية. بهذا المعنى، تتحول الهدنة إلى حالة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، تبعاً للتقدير الإسرائيلي، ما يضفي شرعية مسبقة على أي تصعيد لاحق.
أما البند الرابع، فينقل مركز الثقل إلى الداخل اللبناني. إذ يضع على عاتق الدولة التزاماً واضحاً، مدعوماً دولياً، بمنع حزب الله وسائر الجماعات المسلحة غير الشرعية من تنفيذ أي عمليات ضد إسرائيل. هذا البند لا يكتفي بتوصيف واقع قائم، بل يحوّله إلى التزام سياسي وأمني مباشر، ما يفتح الباب أمام مساءلة لبنان دولياً في حال الإخلال به، ويعيد طرح ملف السلاح غير الشرعي في قلب المعادلة الإقليمية.
في البند الخامس، يبرز توجه واضح لقطع الطريق على أي دور إقليمي بديل، عبر النص على عدم أحقية أي دولة أو جهة بادعاء ضمان سيادة لبنان. الرسالة هنا مزدوجة: من جهة، تأكيد نظري على حصرية السيادة بالدولة اللبنانية، ومن جهة أخرى، نفي لأي غطاء خارجي موازٍ، خصوصاً في سياق الصراع الإقليمي. إلا أن هذا الطرح، رغم أهميته السياسية، لا يترافق مع ضمانات فعلية، ما يترك لبنان في موقع هش بين النص والواقع.
البند السادس يحمل التحول الأعمق. فالاتفاق لا يتوقف عند تثبيت هدنة، بل يطلب صراحة من الولايات المتحدة تسهيل مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بهدف حل القضايا العالقة، وفي مقدمها ترسيم الحدود البرية، وصولاً إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار. هنا، يدخل لبنان عملياً في مسار تفاوضي مفتوح، برعاية أميركية، يتجاوز إدارة التوتر نحو محاولة تنظيم العلاقة على المدى الطويل.
في المحصلة، ترسم هذه البنود معادلة واضحة: حرية حركة عسكرية لإسرائيل، مقابل التزام أمني على الدولة اللبنانية، مع تحجيم لأي دور إقليمي خارج الإطار الأميركي، وفتح باب التفاوض المباشر نحو تسوية أوسع. وعليه، فإن “اتفاق الهدنة 2” لا يمكن قراءته كترتيب مؤقت، بل كخطوة تأسيسية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، وربما ما هو أبعد من ذلك، في علاقة لبنان بإسرائيل.