منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، اعتاد الحزب تقديم المعارك الكبرى على أنها محطات مفصلية ستقلب موازين القوى وتؤسس لمرحلة جديدة من الصراع. إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة، ولا سيما التقدم الإسرائيلي نحو قلعة الشقيف والسيطرة عليها، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول واقع الحزب العسكري وقدرته على تحقيق الأهداف التي أعلنها منذ بداية الحرب.
الواقع الميداني، وفق معطيات المعركة، يشير إلى أن حزب الله يواجه صعوبة متزايدة في وقف التقدم الإسرائيلي. فالقوات الإسرائيلية تواصل عملياتها في عدد من المحاور، فيما تبدو قدرة الحزب على إحداث تغيير استراتيجي في مسار المواجهة محدودة. وعلى الرغم من استمرار استخدام الطائرات المسيّرة وتنفيذ عمليات استنزاف موضعية، فإن هذه الهجمات لم تنجح حتى الآن في منع إسرائيل من تحقيق تقدم ميداني متواصل أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
في المقابل، يبدو أن الحزب يتجه نحو مزيد من التصعيد سعياً لتعويض الخسائر الميدانية وإظهار قدرته على الرد. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة على لبنان عموماً وعلى البيئة الشيعية خصوصاً، إذ إن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى توسيع رقعة العمليات العسكرية وزيادة حجم الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية.
وخلال الأشهر الماضية، جرى تقديم أكثر من معركة على أنها لحظة تاريخية شبيهة بـ«كربلاء» في الخطاب التعبوي للحزب. من الحرب نفسها إلى معارك الجنوب وصولاً إلى معركة قلعة الشقيف، رُفعت سقوف التوقعات وتم الحديث عن منعطفات استراتيجية كبرى. إلا أن الحصيلة الميدانية حتى الآن تُظهر أن الحزب تكبد خسائر كبيرة على مستوى البنية العسكرية والقدرات اللوجستية والقيادية، فيما يبقى النصر الموعود غائباً عن المشهد.
التطورات الحالية تفتح الباب أمام سؤال كان من الصعب طرحه قبل سنوات: هل يدخل حزب الله المرحلة الأخيرة من تاريخه بصيغته الحالية؟ الجواب لا يزال مرتبطاً بمسار الأحداث العسكرية والسياسية. لكن إذا استمرت الدولة اللبنانية في خيار التفاوض، ونجحت في إقناع المجتمع الدولي بأنها تتخذ خطوات فعلية لاستعادة القرار السيادي وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فقد يجد لبنان نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة رسم توازناته الداخلية وفتح صفحة سياسية جديدة مختلفة عما عرفه خلال العقود الماضية.
بين الوقائع العسكرية المتسارعة والضغوط السياسية المتزايدة، تبدو معركة قلعة الشقيف أكثر من مجرد محطة ميدانية. إنها معركة تختصر التحولات العميقة التي يشهدها لبنان والمنطقة، وتطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل حزب الله ومستقبل الدولة اللبنانية في آن واحد.