هذا ما فعله محمد بن سلمان

منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب، لم يتصرف ولي العهد السعودي كمتفرّج على حريق إقليمي مفتوح، بل كمدير غرفة عمليات سياسية تمتد من شرق آسيا إلى قلب واشنطن. تحرّك بخيوط متوازية، وفتح قنواته مع معظم القوى الفاعلة، من باكستان إلى تركيا وصولاً إلى الصين، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: احتواء الانفجار قبل أن يتحول إلى إعادة رسم دموية للمنطقة.

هذا التحريك لم يكن معزولًا، بل تكامل مع تواصل يومي ومنهجي مع البيت الأبيض، حيث بدا واضحًا أن الرياض اختارت أن تكون شريكًا في صناعة القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه. في هذا السياق، برزت باكستان كركيزة أساسية في الاستراتيجية السعودية، حيث عمل بن سلمان على ثلاث جبهات متزامنة.

الأولى، محاولة بناء إطار لناتو إسلامي سني، ليس كتحالف تقليدي، بل كرسالة توازن في وجه النفوذ الإيراني. الثانية، إيصال رسالة واضحة إلى طهران بأن إسلام آباد تقف ضمن منظومة دفاعية متماسكة مع الرياض، تُرجمت عمليًا بإرسال تجهيزات دفاع جوي إلى المنطقة الشرقية في السعودية، في خطوة تحمل أبعادًا ردعية أكثر منها عسكرية مباشرة. أما الثالثة، فكانت العمل مع الأميركيين والباكستانيين على خط وقف إطلاق النار في لبنان، حيث تلاقت المصالح على ضرورة منع الانزلاق إلى حرب شاملة.

استراتيجية بن سلمان لا تقوم على إدارة الأزمة فحسب، بل على استباق ما بعدها. هو يتعامل مع الحرب بوصفها مرحلة انتقالية نحو مشهد إقليمي جديد، يتطلب احتواء تداعياتها، والاستعداد لمرحلة ما بعد النظام الإيراني بنسخته الحالية، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مكلفة.

في هذا الإطار، لم يكن مستغربًا أن يأتي شكر جوزيف عون للمملكة العربية السعودية تحديدًا. فالمعطيات تشير إلى أن شبكة الاتصالات التي سبقت الهدنة، ومسار التفاوض غير المعلن، يقودان بوضوح إلى تحديد الجهة التي لعبت الدور الحاسم في الوصول إليها.

ما فعله بن سلمان ليس تفصيلًا في مشهد الحرب، بل محاولة لإعادة تعريف موقع السعودية: من لاعب تقليدي في توازنات المنطقة، إلى صانع إيقاع سياسي قادر على رسم خطوط التهدئة حين تشتعل الجبهات.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram