أصدر الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بياناً بمناسبة ذكرى رحيل الإمام الخميني، تطرق فيه إلى الأبعاد العقائدية لنهجه، مستعرضاً قراءته للأوضاع السياسية والملفات الراهنة في لبنان والمنطقة.
واستهل الشيخ قاسم بيانه بالحمد والثناء على الأنبياء والأئمة والصحابة والعلماء الربانيين كقدوة للبشرية، موجهاً تحية إجلال وإكبار للإمام الخميني، الذي وصفه بمحيي الدين ومحطم جبروت المستكبرين.
نهضة الإمام الخميني والتحديات التاريخية
أشار الأمين العام إلى أن ثورة الإمام الخميني انطلقت من خلفية إلهية إسلامية ترتكز على مبادئ الحق، والعدالة، والاستقلال، والوحدة الإسلامية، ومقاومة الظلم، في زمن كانت تسيطر فيه أميركا والاتحاد السوفياتي على مقدرات المنطقة والعالم. وأكد أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية قام باستفتاء شعبي ودستور أعلن مبدأ “لا شرقية ولا غربية”، مما جعل فئات شعبية واسعة تتبنى قيادته ورؤيته الفكرية.
واستعرض الشيخ قاسم الحروب والتحديات التي واجهت إيران، بدءاً من حرب السنوات الثماني بواجهة صدام حسين ودعم دولي وإقليمي، وصولاً إلى الحصار الاقتصادي. وأوضح أن إيران واجهت ذلك بتضحيات مليونية وصمود قيادتها، وشعبها، وحرس ثورتها، وجيشها، مما مكنها من التقدم على الصعد كافة ودعم حركات التحرر، وفي مقدمتها مساندة الشعب الفلسطيني وحركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وقارن البيان بين نموذج القيادة الربانية المدافعة عن الكرامة، ونموذج الطغاة من أميركا وإسرائيل الذين أشاعوا الحروب والإجرام والإبادة، معتبراً غزة نموذجاً صارخاً أمام العالم. وتساءل عن أسباب حصار إيران لسبع وأربعين سنة ومنعها من امتلاك القوة الدفاعية وتخصيب اليورانيوم السلمي، معيداً السبب إلى رفضهم لنموذجها المستقل. كما أشار إلى اغتيال الإمام الخامنئي وعدد من القيادات العسكرية والسياسية والنووية وقتل المدنيين، مؤكداً فشل هذه المحاولات لاستمرار الشعب على نهجه بتألق قيادة الخلف الصالح آية الله مجتبى الخامنئي.
وفي الشأن المحلي، أوضح أن المقاومة في لبنان استلهمت من فكر الإمام الخميني لتحرير الأرض من خلفية الطاعة لله والرفض للعبودية، معتبراً المقاومة زرع الإمام موسى الصدر ومسار السيد حسن نصر الله، بالتحالف مع قوى سياسية وفئات مختلفة تؤمن بالمقاومة وتضحي في سبيلها.
الموقف من المفاوضات وإعلان واشنطن
وفي المحور السياسي المتزامن مع ذكرى الإمام وعيد الغدير وولاية الإمام علي، جدد الشيخ قاسم الشكر لإيران على مساعدتها للبنان لاستعادة أرضه وحقه في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأميركي، وتصديها لتثبيت وقف العدوان وإطلاق النار الشامل في لبنان كجزء من وقف العدوان على إيران.
وانتقد البيان بشدة مسار التفاوض الحالي، معلناً المواقف التالية:
- رفض إعلان واشنطن: وصف المفاوضات المباشرة بالعبثية والمذلة والمخزية للبنان، مؤكداً رفضها جملة وتفصيلاً من شرائح واسعة من الشعب اللبناني كون الإعلان الأميركي يرسم مبادئ خضوع لبنان لمشروع إسرائيل الكبرى.
- رفض نزع السلاح: أكد أن جعل نزع سلاح المقاومة منطلقاً لأي اتفاق يعني إعدام قوة لبنان وتهديداً وجودياً بإبادة شعبه، وإحداثاً للفتنة لمصلحة إسرائيل لتأخذ بالسياسة ما عجزت عنه بالحرب، واصفاً الإعلان بخارطة طريق لإبادة قسم من الشعب واستعباد الباقي.
- رفض وقف إطلاق النار الوهمي: اعتبر أن تفسير وقف إطلاق النار بأن يوقف حزب الله القتال ويترك المقاومون ساحة الجنوب تحت الضغط العسكري هو استسلام وهزيمة لن تتحقق.
شروط المقاومة والمعادلة الميدانية
وشدد الشيخ قاسم على أن المقاومة معنية فقط بـ وقف العدوان الشامل الذي يتضمن وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل، بناءً على الشروط التالية:
- أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً ولا تجزئة فيه بين الجنوب وباقي لبنان.
- عدم إعطاء العدو الإسرائيلي حرية القتل في لبنان، واستمرار المقاومة ما دام الاحتلال موجوداً.
- عدم إعطاء التزام لأحد بعدم مقاومة العدوان، ومواجهته بكل قوة وطعنه حيث تقرر المقاومة وتستطيع.
- استمرار قصف القرى وهدمها يرفع الأمان عن المستوطنات الإسرائيلية.
وأكد الاطمئنان لانتصار المقاومة مستشهداً بالآية القرآنية: “وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.
السيادة الوطنية ومسؤولية السلطة
وحدد البيان مفهوم السيادة اللبنانية بالحل الحصري المتمثل في إيقاف العدوان الإسرائيلي بكل أشكاله جوياً وبرياً وبحرياً، والانسحاب الكامل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتحرير الأسرى، وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، رافضاً أي ربط بين وجود المقاومة ووقف العدوان والانسحاب. كما رفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي لتنظيم الحياة السياسية والقرارات السيادية التي يجب أن تندرج ضمن استراتيجية الأمن الوطني المتفق عليها بين اللبنانيين حراصاً على الوحدة الوطنية.
وفي ختام البيان، حمّل الشيخ قاسم السلطة مسؤولية القيام بواجبها لمعالجة خلل الانقسام الداخلي الذي سببته خيارات سياسية لا تمثل الإجماع الوطني والدستور وصيغة العيش المشترك. ودعا المسؤولين والسلطة إلى المبادرة لإجراءات وحوار يوحد اللبنانيين في مواجهة العدوان أولاً، على أن تُعالج القضايا اللاحقة تحت سقف الدستور والطائف. وختم بمطالبة المسؤولين بإيقاف ما سماه “مهزلة وإهانة المفاوضات المباشرة” ليكون الموقف أقوى بالالتفاف حول خيار الدولة ذات السيادة.

