في وقتٍ يحبس فيه اللبنانيون أنفاسهم، متأرجحين بين أنقاض بيوتهم الركامية وبارقة أمل لاحت في أفق ليلٍ طويل أُعلن فيه عن وقف لإطلاق النار، يخرج علينا “مصدر في حزب الله” بكل صلف واستعلاء ليُعلن رفض الحزب لهذا الاتفاق.
ولم يكتفِ الحزب بالرفض، بل ذهب لإبلاغ رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، بهذا القرار المنفرد، في خطوة تمثل قمة التحدي للشرعية الدستورية ولرأس الدولة.
هذا التصرف لا يمكن وصفه إلا بأنه تمرد علني وانقلاب موصوف على الدولة، وإصرار أعمى على خطف رهينة اسمها “لبنان” وإحراقها بالكامل على مذبح أجندات إقليمية لا دخل لنا فيها.
تحدي مقام الرئاسة ومصادرة القرار الشرعي
إن توجه حزب الله بالرفض مباشرة إلى رئيس الجمهورية، يحمل دلالات خطيرة جداً تضرب أسس الميثاق الوطني والدستور بعرض الحائط:
تجاوز وقاحة الميليشيا ضد رأس الدولة: إن إبلاغ رئيس الجمهورية — الساهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدة أراضيه — برفض وقف النار بصيغة الأمر الواقع، هو محاولة سافرة لإفهام العهد الجديد بأن قرار الحرب والسلم ليس بيد بعبدا ولا بيد المؤسسات الشرعية، بل بيد فصيل مسلح مرتهن للخارج.
إجهاض منطق الدولة والقانون: في اللحظة التي يتطلع فيها اللبنانيون إلى رئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية لإنقاذ البلاد وإعادة الهيبة للدولة، يأتي رد الحزب ليحاول تكريس منطق “الدويلة فوق الدولة”، واختصار الوطن في قبوٍ يدير معركة انتحارية ضد إرادة الجميع.
الشروط التعجيزية كغطاء للفشل: الحديث عن “الانسحاب الإسرائيلي الفوري والكامل كشرط أول لوقف إطلاق النار” في ظل موازين القوى الراهنة والدمار الشامل، ليس مواجهة شجاعة، بل هو مراهقة سياسية وشروط تعجيزية الهدف منها تبرير استمرار تدفق الدماء، والهروب إلى الأمام على حساب جثث الأبرياء والمهجرين.
دماء اللبنانيين ليست وقوداً لحروب الآخرين
بينما يفترش مئات الآلاف من اللبنانيين الطرقات، وتُباد قرى كاملة عن بكرة أبيها، وتنهار البنية التحتية، يخرج الحزب ببرودة أعصاب ليرفض وقف شلال الدم ويتحدى رئيس البلاد الذي يحاول لملمة أشلاء الوطن وإنقاذه من الانهيار التام.
إن هذا الرفض ليس علامة قوة، بل هو قمة الإفلاس الإنساني والوطني. إنه دليل قاطع على أن معاناة المواطن اللبناني، وصرخات الأمهات الثكالى، وأنقاض بيروت والجنوب والبقاع، لا تصرف شيئاً في حسابات الحزب العقائدية.
إن الإصرار على استمرار الحرب تحت شعارات “الصمود” التي لم تجلب للبلاد سوى الخراب والعزلة، هو عمل تدميري ممنهج. لبنان لم يعد يحتمل مغامرات، واللبنانيون شبعوا شعارات رنانة تُدفع أثمانها من لحمهم الحي ومستقبل أبنائهم.
كفى استهتاراً بمصير الوطن
إن هذا التصرف الأرعن يضع الحزب في مواجهة مباشرة ليس فقط مع المجتمع الدولي، بل مع مقام رئاسة الجمهورية ومع الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني التي تصرخ “كفى!”.
المطلوب فوراً: الانصياع التام لمنطق الدولة، والامتثال لقرارات رئيس الجمهورية والمؤسسات الشرعية، وتطبيق القرارات الدولية التي تحمي لبنان، بدلاً من التمترس خلف شروط واهية تطيل أمد المعاناة.
على حزب الله أن يفهم أن لبنان ليس ساحة تجارب، وأن رئيس الجمهورية ليس ساعي بريد يتلقى بلاغات الرفض والقبول من فصيل مسلح. إن رفض وقف إطلاق النار في هذه اللحظات الحرجة هو جريمة موصوفة بحق الوطن، وسيذكر التاريخ أن هناك حزباً فضّل إحراق بلده وشعبه وتحدي شرعيته الدستورية على أن يعترف بفشل مشروعه التدميري. أوقفوا هذه المحرقة فوراً، وارحموا لبنان!
الكاتب: أسعد نمور

