كتب الصحافي نديم قطيش عبر “اكس”:
إستسلام ينتحل صفة النصر
ثمة اختبار بسيط لمعرفة ما إذا كانت دولة ما قد انتصرت في حربها أم لا: اقرأ شروط السلام. فإذا كانت هذه الشروط مطابقة لما طالب به “العدو” قبل سقوط أول قنبلة، فالحرب ببساطة لم تُكسب.
بناءً على هذا الاختبار، لم تكن إيران يوماً أبعد عن النصر.
لو جردنا التسوية المقترحة في مقالة محمد جواد ظريف من أوصافها المنمقة، وتعاليه الشخصي الفارغ، لبقي لنا واقع فاضح. هذا هو تصور ظريف للحل:
• تقيِّد إيران برنامجها النووي
• تخفف درجة مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الحدود الدنيا
• تصادق على البروتوكول الإضافي
• تخضع جميع منشآتها لرقابة دولية دائمة
• تنقل موادها المخصبة إلى كونسورتيوم متعدد الأطراف لا تملك السيطرة عليه
• تُعيد فتح مضيق هرمز (أداتها القسرية الوحيدة ذات القيمة)
• تدعو شركات النفط الأمريكية للعودة إلى الأراضي الإيرانية.
وفي المقابل، تحصل إيران على:
رفع للعقوبات، وتطبيع دبلوماسي مع أميركا، ومعاهدة عدم اعتداء.
ليست هذه شروط طرفٍ منتصر. هي بالضبط الشروط التي طالبت بها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل بدء الحرب.
وعليه، يبدو أن الجمهورية الإسلامية بعد مهانة أسابيع من القصف، وامتصت اغتيال قادتها، وتحملت تدمير مئات المنشآت، لترجع في النهاية إلى “نقطة البداية التي رفضتها” والتي حددها الطرف الذي تزعم أنها هزمته.
أما ما يُروج له كـ «مكاسب»، فهو في جوهره إمعانٌ في المهانة وتثبيتٌ للهزيمة. إن رفع العقوبات، وتطبيع صادرات النفط، والاندماج في سلاسل التوريد العالمية، ليست غنائم تُنتزع في ميادين القتال، بل هي شروط العالم لعودة إيران إلى بيت الطاعة الدولي.
المفارقة الصارخة هنا هي أن إيران تريد منحها حق العودة إلى وضع «الدولة الطبيعية»، وهو الوضع ذاته الذي قامت الثورة أساساً للتمرد عليه ووصفته بالعجز والتبعية. الدولة التي تنتصر حقاً هي التي تعيد صياغة النظام الدولي ليلائم إرادتها، لا التي تتوسل العودة إلى نظامٍ يضع هو قواعد اللعبة.
أن تُقايض إيران دماء قادتها ومنشآتها النووية بمجرد «إذنٍ بالتجارة»، فهذا ليس فوزاً وبطولة، بل هو ثمن باهظ يدفع لمجرد شراء تذكرة دخول إلى القاعة التي طُردت منها. المنتصر يفرض شروطه على المهزوم، أما الذي يتفاوض ليستعيد وضعه كعضوٍ عادي في النادي الدولي، فهو لا يعلن انتصاراً، بل يعلن توبته عن التمرد.
ولعل ميثاق عدم الاعتداء هو اللحظة الأكثر كشفاً في هذا المقال. فإذا كان أحد الأطراف قد أثبت، كما يزعم ظريف، أنه يستحيل تدميره عسكرياً، وأن برامجه موزعة لدرجة تمنع محوها بالقصف، وأن شعبه هو سلاحه الأعظم، فلماذا يحتاج هذا الطرف وبشكل عاجل إلى تعهد مكتوب من واشنطن بعدم مهاجمته مجدداً؟ الجواب: لأنه لا يطيق جولة أخرى. إن ميثاق عدم الاعتداء ليس تأميناً للمنتصر، بل هو المطلب الأكثر إلحاحاً لطرف منهك يترنح على حافة الهزيمة. إنه توسل إيراني رسمي بلغة متعجرفة يقول: “رجاءً، لا تكرروا هذا ثانيةً”.
ثم تأتي “أزمة الهوية” التي يرفض المقال تسميتها. قامت شرعية الجمهورية الإسلامية على أساس “مقاومة أمريكا” والصراخ بدعوات الموت لها. فنظامها التعليمي، وسلطتها الدينية، وأساطيرها الثورية، كلها تتمحور حول فكرة أن المهادنة مع واشنطن هي خيانة. لا يمكنك تطبيع التجارة مع أمريكا، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، وتوقيع ميثاق عدم اعتداء متبادل، وتظل “الجمهورية الإسلامية” بذات الهيكل الذي أُسست عليه عام 1979. هذا الاتفاق لا ينهي حرباً فحسب، بل يفرض على إيران أن تصبح دولة من نوع آخر. قد يكون ذلك مخرجاً لإيران، لكنه قطعاً ليس “نصرًا”.
وهذا يقودنا إلى السمة الأكثر كشفاً في المقال، وهي سمة لا يراها الكاتب لشدة انغماسه في لعبة التذاكي:
لا يحتاج المنتصر إلى ثلاثة آلاف كلمة ليقنع شعبه والعالم بأنه انتصر.
النصر يعلن عن نفسه في الشروط المفروضة على الطرف الأضعف.
أما ما يتطلب ثلاثة آلاف كلمة من “اللغو العاطفي” والتنافخ الممجوج لطمأنة الإيرانيين بأن كرامتهم لم تُمس، وأنهم صمدوا بشموخ، وأن قبول هذا الاتفاق ليس استسلاماً، فهو هزيمة لا يجرؤ ظريف على الاعتراف بها.
إن بنية الحجة في مقالته بحد ذاتها تفضح ما يحاول إنكاره. فهو لا يحتاج لإقناع شعب منتصر بقبول نصره، بل يحتاج لإقناعهم حين تكون الوجهة الذاهبة ايران إليها معاكسة تماماً لما وُعدوا به منذ نحو نصف قرن.
منذ الثامن والعشرين من فبراير، والإيرانيون يهتفون كل ليلة: “لا استسلام، لا مساومة، سنحارب أمريكا” يقول ظريف عن سلوك القاعدة المؤيدة للنظام، ثم يقضي مقاله بالكامل في محاولة إقناعهم بقبول ما يتظاهرون ضده.
هذه ليست حنكة سياسية؛ بل هي أطول طريقة ممكنة لقول: لقد هُزمنا.
وارفق منشوره بالصور التالية:

