من مطارٍ مهجور إلى رئةٍ للاقتصاد والسياحة…مطار القليعات الى العمل أخيراً

كتب جوني فتوحي:

على بعد كيلومترات قليلة من البحر، وفي أقصى شمال لبنان، يقف مطار القليعات ـ أو مطار الرئيس مطار رينيه معوض ـ كمنشأةٍ معلّقة بين الماضي والحلم. مدرّجاته الطويلة التي صمتت لعقود، عادت اليوم إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، وسط سؤال كبير: هل يتحوّل المطار أخيراً إلى مشروع إنقاذ لعكار والشمال، أم يبقى مجرّد وعدٍ جديد في بلدٍ يتقن صناعة الوعود؟

في الأسابيع الأخيرة، تسارعت الخطوات الرسمية بشكل غير مسبوق. وزارة الأشغال اللبنانية أعلنت فضّ عروض تشغيل واستثمار المطار، ورست المزايدة على شركة “Sky Lounges Services”، في خطوة اعتُبرت بداية فعلية لوضع المطار على سكّة التشغيل بعد سنوات من الجمود.

كيف يسير تجهيز المطار؟

المطار يمتلك أساساً بنية تحتية مهمّة مقارنة بمشاريع أخرى تحتاج إلى إنشاء كامل. المدرّج الرئيسي يبلغ نحو 3000 متر، ما يسمح باستقبال طائرات مدنية متوسطة وكبيرة الحجم، فيما تشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من الأعمال يتركّز على تحديث أنظمة الملاحة الجوية، وتجهيز صالات الركاب، وتعزيز منظومات السلامة والأمن.

وتقدّر كلفة إعادة التأهيل بين 80 و100 مليون دولار، تشمل البنية التشغيلية والتقنية والخدمات اللوجستية. كما يجري العمل على خطة تدريجية بدل افتتاح شامل دفعة واحدة، وهو ما تؤكده الجهات الرسمية واللجان المتابعة للمشروع.

خطة التشغيل… “إقلاع تدريجي”

الخطة المطروحة لا تقوم على تحويل القليعات فوراً إلى نسخة ثانية عن مطار بيروت، بل على تشغيل تدريجي يبدأ برحلات محدودة ومنخفضة الكلفة، ثم التوسّع لاحقاً.

وبحسب ما يجري تداوله في الأوساط المعنية، فإن المرحلة الأولى قد تشمل رحلات داخلية وتجريبية، قبل الانتقال إلى خطوط إقليمية قصيرة نحو قبرص وتركيا والخليج. كما يجري الحديث عن إمكانية اعتماد المطار كمركز لشركات الطيران الاقتصادي “Low Cost”، وهو ما قد يغيّر خريطة السفر في لبنان بالكامل.

وتشير مصادر متابعة إلى وجود اهتمام من شركات طيران إقليمية وخاصة، إضافة إلى شركات “شارتر”، فيما يبقى اسم شركة Middle East Airlines مطروحاً بقوة في أي خطة تشغيل مستقبلية، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات منخفضة الكلفة مرتبطة بالسوق اللبناني.

الجدوى الاقتصادية… أكثر من مجرد مطار

الرهان الحقيقي لا يقتصر على الطيران، بل على الاقتصاد المحيط بالمطار. فعكار، التي تُصنّف من أكثر المناطق اللبنانية حرماناً، قد تجد نفسها للمرة الأولى أمام مشروع بنية تحتية قادر على خلق دورة اقتصادية متكاملة.

منذ بدء الحديث الجدي عن إعادة التشغيل، ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات في محيط المطار، وبدأ المستثمرون يدرسون إنشاء فنادق ومستودعات وشركات نقل وخدمات لوجستية.

ويتوقّع اقتصاديون أن يوفّر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بدءاً من موظفي المطار والأمن والخدمات، وصولاً إلى قطاعات السياحة والنقل والتجارة. كما قد يتحوّل الشمال اللبناني إلى نقطة جذب جديدة للمغتربين القادمين من أوروبا والخليج، خصوصاً أبناء عكار وطرابلس والمنية والضنية.

الأهم أن وجود مطار ثانٍ في لبنان يخفّف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، الذي يعاني أصلاً من اكتظاظ ومخاطر مرتبطة بأي توتر أمني أو سياسي.

متى يفتتح المطار؟

هنا تبدأ المنطقة الرمادية. فبين التفاؤل الرسمي والواقع اللبناني، تبدو المواعيد مرنة للغاية. بعض التقديرات تشير إلى إمكانية انطلاق أولى الرحلات أواخر عام 2026 إذا سارت أعمال التأهيل وفق الخطة الحالية.

لكن المشروع لا يزال يواجه تحديات مالية وإدارية وسياسية، أبرزها التمويل الكامل، واستكمال التجهيزات التقنية، والحصول على الاعتمادات الدولية المرتبطة بالطيران المدني والسلامة الجوية.

القدرة التشغيلية والاستيعابية

في مرحلته الأولى، يُتوقّع أن يستقبل المطار مئات آلاف المسافرين سنوياً، مع قابلية توسّع تدريجية. المدرّج الحالي قادر تقنياً على استقبال معظم أنواع الطائرات التجارية، بينما ستُبنى القدرة التشغيلية الفعلية وفق حجم الصالات والخدمات الأرضية وعدد الرحلات اليومية.

السيناريو الأقرب اليوم هو مطار متوسط الحجم، متخصص بالرحلات الإقليمية والسياحية والطيران الاقتصادي، وليس منافساً مباشراً لمطار بيروت في المدى القريب.

الشمال ينتظر لحظة الإقلاع

في القليعات، لا يتعامل الناس مع المشروع كخبر عابر. بالنسبة لكثيرين، المطار ليس مجرد مبنى ومدرّج، بل اختبار حقيقي لفكرة الإنماء المتوازن في لبنان. فإما أن يتحوّل إلى نافذة اقتصادية تفتح الشمال على الاستثمار والعمل والسياحة، أو يبقى صورةً أخرى عن مشاريع علّقتها السياسة في سماء الانتظار.

حتى الآن، الطائرات لم تقلع بعد. لكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو أن محرّكات مطار القليعات بدأت تدور فعلا

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram