:بقلم هشام بو ناصيف
قبل أن يقتل بيار معوّض وزوجته عنصر حزب الله الذي جلب المسيّرة الإسرائيليّة الى عقر داره، ما قتل بيار هو أن المنطقة المسيحيّة حيث يعيش مشرّعة لعناصر حزب الله كي يختبئوا فيها. أي كتابة عن المأساة لا تستقيم إن لم تبدأ من عنصرها الأوّل، عنيت أنّ الجبناء الذين تمرجلوا على إسرائيل منذ عقود يختبئون اليوم بين مدنيّين، بمن فيهم مدنيّون مسيحيّون يرفضون ميليشياهم، وعقيدتهم الأصوليّة، وكل ما يمثّلون.
فاذا ما بدأنا التحليل من أنّ المنطقة المسيحيّة المشرّعة هي الشرط الضروري، المباشر، لجرّ الموت لعقر دار بيار، يصبح السؤال التالي المنطقي هو هذا: لماذا المنطقة المسيحيّة اليوم أرض سائبة بدون سياج؟ لا أتحدّث هنا عن جلجلة مسيحيّي الجنوب وعذاباتهم التي يعرفها كلّ متابع. أتحدّث عن المعقل المسيحي الأخير في الشرق الأوسط أي جبل لبنان الشمالي. لماذا يمكن لوغد من حزب خميني شيعي متطرّف أن يستأجر شقّة في المتن، ثمّ يهرب منها سليما على متن درّاجة ناريّة، بينما يرقد بيار، وزوجته، وزائرة صودف وجودها عندهما، جثثا هامدة تحت أنقاض منزل مدمّر؟
الجواب على السؤال واضح: المنطقة المسيحيّة غير قادرة على التحكّم بأمورها. مع غيرها السلاح؛ هي لا. مع غيرها التنظيم الحزبي الحديدي؛ هي لا. مع غيرها قرار الحرب والسلم؛ هي لا. مع غيرها القدرة على التمدّد صوبها؛ هي عاجزة عن ردّ التمدّد العدائي، الإلغائي، فتنكمش. بكلمة: هناك منطقة فقدت القدرة على الفعل، منذ أسقطها حافظ الأسد عسكريّا عام ١٩٩٠، ويتكالب عليها الجميع اليوم لمنعها حتّى من ردّ الفعل. تحذير أحد أبواق جبران باسيل من الذين أوكلت إليهم مهمّة وضع ماكياج “يميني” على ذميّة معلّمه من “الفتنة” لا يفهم بغير هذا السياق. “الفتنة” التي يقصدها هو أي تحرّك يقوم به مسيحيّون لطرد مسلّحي حزب الله من مناطقهم. ولتجنّب “الفتنة” ينبغي على المسيحيّين أن يستمرّوا كما هم اليوم: إن ماتوا، ففدى “التعايش”؛ وإن عاشوا، فبصمت رجاء. لا تزعجوا الزعماء المستسلمين لستاتيكو مناسب لهم تماما، وقاتل – بالمعنى الحرفي للكلمة – للشعب المسيحي.
استسلام نخبنا الحاكمة لوضعنا قضى على بيار قبل المسيّرة. وكأيّ خيانة أخرى، تحتاج خيانة النخب المسيحيّة لمبرّر نظري. تدخل هنا اللبنانويّة، أي هذا المزيج المثير للغثيان ( كأصحابه)، من عقيدة ال”١٠٤٥٢”؛ وشعارات “لبنان أصغر من أن يقسّم”؛ و”رسالة لبنان”؛ و”انقاذ لبنان”؛ و”تطبيق الطائف”. ولا أنسى طبعا نزعة عبادة رناجر المؤسّسة العسكريّة، ودروس أخلاق يوميّة عن ضرورة التضامن مع “أهلنا النازحين”، وكليشيهات يحبّها كهنة الموارنة عن “الانسان” و”الأخوّة”، وكلام فارغ مغزاه العملي بنهاية المطاف أن موتوا ولا تعترضوا. وبشكل أدقّ: موتوا ولا تتمرّدوا على واقعكم مع انّه ما عاد يطاق منذ ١٣ تشرين ١٩٩٠.
بوضوح: بيار مات لأنّ المسيحيّين لا يحكمون أنفسهم بأنفسهم. ولو كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم لأقفلوا منطقتهم بوجه مسلّحي الميليشيا الشيعيّة، وبيئتها التي تكرههم، ومشروعها الذي هو نقيضهم. كلّ هذا قتل بيار قبل الجبان الذي جرّ الموت اليه. وكلّ هذا سيجرّ الموت لغيره في حرب لا تزال ببداياتها. مأساة أسوأ ما فيها أنّنا نعلم سلفا أنّ شيئا بأداء النخب الحاكمة المسيحيّة – رؤساء أحزاب، وبطريرك، واكليروس – لن يتغيّر. طوبى لدروز سوريا بحكمت الهجري. الساحة المارونيّ العاقرة تنتظر فيها من هو مثله.