أفاد موقع “Le Diplomat” الفرنسي، بأنه في حال انهيار المذكرة المبرمة بين واشنطن وطهران، فإن المسألة الجوهرية لن تقتصر على ميزان القوى بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل ستمتد فوراً لتشمل لبنان. ورغم أن النظرة الأولى توحي بأن فشل القناة التفاوضية بين الطرفين سيقوض العملية الدبلوماسية في لبنان، إلا أن العكس قد يكون صحيحاً؛ فكلما تعقد الموقف وتشدد تجاه إيران، تزداد رغبة واشنطن في احتواء الجبهة اللبنانية، ليس فقط بحثاً عن تسوية دائمة، بل لمنع تحول لبنان إلى عامل إضافي يؤجج التصعيد الإقليمي.
معضلة السيادة وتأجيل الحل
وبحسب المقال، تكمن المعضلة في أن أي عملية دبلوماسية تفشل في تحقيق نزع سلاح “حزب الله” لا تعيد السيادة اللبنانية، بل تكتفي بتأجيل استعادتها، وتترك جوهر المشكلة دون حل، والمتمثل في وجود قوة مسلحة مستقلة على الأراضي اللبنانية تمتلك سلطة القرار في الحرب والسلم بمعزل عن الدولة.
وكانت الحركة الأميركية في بدايتها يمكن توصيفها كمحاولة للتوصل إلى تسوية تشمل: تثبيت الحدود، إدارة الانسحاب الإسرائيلي، تأمين الجنوب، وإعادة الدولة اللبنانية إلى الحراك الدبلوماسي، وهو طرح بدا منطقياً من الناحية النظرية؛ كون الدولة ذات السيادة تتفاوض ولا تخضع، والتفاوض عبر سلطة تحتكر القرار يمثل ممارسة للسيادة.
من إطار تسوية إلى آلية احتواء
أما إذا تعثرت المذكرة الإيرانية – الأميركية، فإن العملية الأميركية ستغير طبيعتها لتتحول من إطار تسوية إلى آلية لاحتواء الجبهة اللبنانية بالتزامن مع تصاعد المواجهة مع طهران، حيث ستسعى واشنطن حينها إلى تحقيق الاستقرار لمنع فتح جبهة إضافية، وليس لاستعادة السيادة كهدف أول. ووفق الموقع الفرنسي، فإن تهدئة جبهة ما دون نزع سلاح القوة القادرة على إشعالها لا يحل المشكلة، بل يقتصر على إدارة الوضع بما يخدم مصلحة الطرف المسلح، إذ لا يحتاج “حزب الله” إلى تحقيق انتصار مدوٍ، بل يكفيه مرور الوقت واستمرار المفاوضات وتحدث السلطة التنفيذية باسم الدولة دون ممارسة كامل صلاحياتها مع تأجيل ملف السلاح.
مستويات التحرك الإقليمي والدولي
وفي ظل الأزمة الإيرانية، قد تسعى واشنطن إلى إيجاد شركاء إقليميين للحفاظ على توازن القوى، مما يجعل المملكة العربية السعودية لاعباً محورياً، حيث يرغب الأميركيون في منع القوى السيادية اللبنانية من نسف إطار التفاوض أثناء محاولتهم احتواء التصعيد مع طهران. وفي المستوى الثاني، قد تدفع الرياض القوى السيادية للبقاء في مسار التفاوض تماشياً مع الإطار الدبلوماسي الذي تريده واشنطن. وفي الحالتين يخرج “الحزب” رابحاً؛ فاستمرار المفاوضات يطيل أمد الوضع الراهن، وفشلها يتيح له تصوير المسار الأميركي كطريق مسدود، وبالتالي فإن الفخ يكمن في النتائج الفعلية للمسار لا فيما يقوله “الحزب”.
وفي المستوى الثالث، ستوافق القوى السيادية بدافع الحذر أو الواقعية أو الرغبة في عدم إغضاب حلفائها العرب والغربيين على مواصلة المفاوضات بنوايا حسنة؛ لتجنب الحرب، الحفاظ على الدعم الدولي، إبقاء فرصة التسوية قائمة، وتفادي الظهور بمظهر المسؤول عن انهيار المسار الدبلوماسي.
تكريس النظام القائم ومفارقة الخطاب
وإذا لم تكن النتيجة نزع سلاح “حزب الله”، فإن المسار يصب موضوعياً في مصلحته، ليس لرغبة واشنطن أو الرياض أو القوى السيادية في تعزيز قوته، بل لأن أي إدارة للأزمة دون نزع السلاح تعزز النظام القائم المتمثل في: دولة معترف بها وعاجزة، جيش وطني ينتشر دون احتكار سياسي كامل للقوة، سلطة تنفيذية تتفاوض دون قرارات حاسمة، وحزب يحتفظ بجوهر قوته.
وتظهر هنا المفارقة الجوهرية؛ فبينما يندد “حزب الله” بالمفاوضات ويهاجم الإملاءات الأميركية ويرفض التطبيع متبنياً خطاب “المقاومة” لتلبية سرديته السياسية القائمة على الرفض والمواجهة، فإن هذه المفاوضات تصب عملياً في مصلحته لأنها تنقل ملف السلاح إلى الطاولة الدبلوماسية وتحول القرار السيادي إلى مسألة مرهونة بتسوية إقليمية، كما تتيح للسلطة التنفيذية ادعاء التحرك دون معالجة المشكلة، وتمكنه من الاحتفاظ بترسانته بينما تتحمل الدولة العواقب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
مسؤولية السلطة التنفيذية
وختم الموقع الإشارة إلى ضرورة التوقف عن تصوير المشكلة كأنها تعتمد حصراً على “حزب الله”؛ فرغم رفضه التخلي عن سلاحه، يكمن جوهر المشكلة في تقصير جسيم من السلطة التنفيذية اللبنانية. ففي الدولة الطبيعية، لا تكون قضايا الأمن والسلطة محلاً للجدل بل هي وظائف أساسية للحكم، حيث يمكن نقاش السياسات الاقتصادية والإصلاحات الإدارية، دون أي مجال للنقاش حول احتكار الدولة للسلاح.
بناءً على ذلك، فإن نزع السلاح ليس تنازلاً يُنتزع من فصيل مسلح، بل هو التزام يقع على عاتق السلطة التنفيذية لضمان السيادة وسلامة الأراضي وأمن المواطنين وإمساك قرار الحرب والسلم، وإن تحويل هذه المسألة إلى تفاوض مستمر يعني تخلّي السلطة عن مهمتها. ويصبح معيار التحليل بسيطاً: أي خطوة يتخذها دعاة السيادة أو السلطة التنفيذية لا تتضمن نزع السلاح تخدم موضوعياً مصالح “حزب الله” بغض النظر عن النوايا والخطابات والضغوط الدولية، فما دام يحتفظ بسلاحه، يحتفظ بالقدرة على البت في القضايا الجوهرية، ولا جدوى من البيانات والاجتماعات والوساطات والترتيبات الأمنية ما لم تستعد الدولة احتكارها الفعلي لاستخدام القوة.
