لبنان بين ازدواجية القرار وضغط المحاور

بقلم: هلا ابونادر القسيس

إلى متى يبقى مسار النظام السياسي في لبنان رهينة صراعات الهيمنة الإقليمية؟
وإلى متى يستمر القرار الوطني أسير تسويات داخلية وخارجية، تتقدّم فيها مصالح القوى الإقليمية على حساب سيادة الدولة ومصلحة شعبها؟

لم يعد هذا السؤال نظريًا، بل بات ملحًا في ظل ما يشهده لبنان من تصعيد مستمر، يرتبط بتشابك أدوار قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، مع الصراع المفتوح مع إسرائيل، وسط حضور دولي فاعل تقوده الولايات المتحدة.

في هذا السياق، يتحول لبنان مرة جديدة إلى ساحة لا لاعبًا، حيث تُدار المواجهات على أرضه، فيما يدفع المجتمع اللبناني كلفة بشرية واجتماعية باهظة.

ما يزيد من خطورة المرحلة، أن الضحايا لا يقتصرون على المنخرطين في أي عمل عسكري، بل يطالون مدنيين لا علاقة لهم بالصراع، نتيجة عمليات عسكرية لا تميّز دائمًا بين هدف وآخر. هذا الواقع يولّد احتقانًا داخليًا متصاعدًا، ويغذّي مشاعر الغضب والخوف، ما يفتح الباب أمام توترات اجتماعية ومناطقية قد تتطور إلى احتكاكات داخلية خطيرة، قد تُستغل لتغذية أجندات خارجية، وتؤدي إلى مزيد من التدخلات أو حتى إلى انزلاق أمني واسع في ظل انتشار السلاح.

في ظل النزوح المتكرر، وتداخل الجغرافيا السكانية، تصبح قدرة المجتمع على التمييز بين الحالات المختلفة أكثر هشاشة، ما يهدد بتوسيع دائرة التوتر، ويضع فئات اجتماعية كاملة تحت ضغط الشك أو الاتهام، وهو ما قد يؤدي إلى تصدعات أعمق داخل النسيج الوطني.

في موازاة ذلك، يُطرح سؤال أساسي حول موقع الدولة:
أين هي الدولة من حماية مواطنيها؟
ومتى تتحمل مسؤوليتها الكاملة في فرض سيادتها على كامل أراضيها؟

إن استمرار تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري يضعف قدرة الدولة على حماية شعبها، ويجعلها عاجزة عن ضبط تداعيات أي تصعيد. كما أن إبقاء القرار الاستراتيجي خارج المؤسسات الشرعية يكرّس هشاشة الدولة، ويُبقي لبنان عرضة للاستخدام في صراعات الآخرين.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الصمت عن الاعتداءات الخارجية، أو القبول بها تحت أي ذريعة، يساهم في تعميق الشعور بالظلم، ويزيد من تعقيد المشهد. من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة تقوم على رفض أي اعتداء على لبنان، وفي الوقت نفسه العمل الجدي على استعادة القرار السيادي من الداخل.

وعليه، تبرز ملامح مقاربة وطنية قائمة على ثلاث ركائز أساسية:

أولًا، استعادة الدولة لقرارها السيادي الكامل، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بما يعيد التوازن إلى الحياة السياسية ويعزز الثقة الداخلية والخارجية.

ثانيًا، تحمّل الدولة مسؤولياتها الدستورية في حماية جميع المواطنين دون استثناء، وتعزيز حضورها الفعلي على كامل الأراضي اللبنانية، بما يكرّس مرجعيتها الأمنية والسياسية.

ثالثًا، الدفع نحو مسار سياسي ودبلوماسي فاعل يخفف من حدة التوتر، ويعيد تموضع لبنان كدولة تسعى إلى الاستقرار، لا كساحة صراع مفتوحة.

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال لا يقل أهمية:
إلى متى يبقى المجتمع في حالة انتظار أو تكيّف قسري مع الأزمات؟
ومتى يتوحّد حول مطلب وطني جامع , كما حصل في ١٤ آذار، يعيد الاعتبار للدولة، ويضع حدًا لازدواجية القرار، بالتوازي مع رفض أي اعتداء خارجي والسعي إلى تثبيت الاستقرار؟

إن لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية لا تحتمل الاستمرار في إدارة الأزمات بالمنطق نفسه. فإما أن يُعاد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة، قادرة على حماية شعبها وصون سيادتها، أو يبقى البلد رهينة توازنات الخارج، يدفع شعبه أثمانًا متكررة من أمنه واستقراره ومستقبله.

في النهاية، لا يمكن لأي مشروع وطني أن يقوم في ظل ازدواجية القرار، ولا يمكن لأي مجتمع أن يصمد طويلًا تحت وطأة الخوف والانقسام.

الرهان اليوم ليس فقط على وقف التصعيد،
بل على إعادة بناء الدولة… قبل فوات الأوان .

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram