عفو أم الافلات من العقاب؟هكذا  نحجب الدعم الدولي عن لبنان..

كتب حنا صالح

تشتعل أوروبا دعماً للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية بأرضه. أوروبا التي أقفلت أبوابها بوجه مجرم الحرب نتنياهو وأضرابه، وضعت على الطاولة مشروع تجميد التعامل الإقتصادي مع إسرائيل، وأدانت بشدة إجرام حماس وأشباهها، وفصلت بين هذه الإدانة وحق الشعب الفلسطيني بدولته الفلسطينية المستقلة.

النجم لامين يامال، النسخة المبهرة عن ليونيل ميسي، المؤثر في الأجيال الشابة حول العالم، رفع العلم الفلسطيني في إحتفالات فوز فريقه برشلونة ببطولة إسبانيا.. وصفع بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا الصهاينة عندما رد على تطاولهم على يامال بإعلانه أن شوارع بلاده ستحتفل بيامال وبالعلم الفلسطيني. أريك كونتونا، النجم الفرنسي التاريخي لمانشستر يونايتيد، إرتدى علم فلسطين مطالباً الصهاينة بتحرير مروان البرغوتي، ومثله فعل حامل الأوسكار النجم الإسباني خافيير برتيز. فيما إتسعت المطالبات الأوروبية بإبعاد إسرائيل عن المسابقة الغنائية الأوروبية الأهم.. ورفعت نجمة الشباب في الدانمارك العلم الفلسطيني وهي تغني على المسرح وعمت التظاهرات إيرلندا وإيطاليا دعما لحقوق الشعب الفلسطيني.

يستحق الشعب الفلسطيني كل هذا التضامن، ويستحق الفرح لهذا التضامن الذي يساهم بمنع طي صفحة حقوق الفلسطينيين المشروعة، وهو تضامن غاب عن عواصم وشوارع بلداننا رغم هول الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة.

ولبنان، الذي أُخضع لحرب إجرامية إسرائيلية إيرانية، تدمر عمرانه وتسحق أهله ليس على خارطة الدعم والتضامن الدولي والإقليمي.. رغم الأهوال النازلة بشعبه وأرضه من جانب عدو إسرائيلي يبيد البشر والحجر، يهجر قسراً ويقضم الأرض ويحتل.. وعدو إيراني أخذ البلد قسراً عبر وكيله: “الفيلق اللبناني” في “فيلق القدس” الإيراني، فتسبب بكل هذا الدمار وجعل الجنوب رماداً وغبار..، في إثبات للقاعدة الإيرانية أن لبنان ليس إلاّ ورقة في ملف التفاوض الإيراني مع أميركا!

لبنان ليس على خارطة الشعوب الحية، رغم أن الجنوب صار عدم، وطالت الإبادة الجماعية نحو 25 الف لبناني والجرحى أكثر من ذلك.. منذ أخذ البلد عنوة إلى جريمة حرب “إسناد” غزة وصولاً إلى جريمة “إسناد” نظام الملالي والثأر للخامنئي. ليس لكره بلبنان واللبنانيين، بل لضعف تمادى في الأداء الرسمي داخليا وخارجياً، معطوف على تركيبة داخلية نخرتها بنية طائفية فعزلتها، ومعها إستمر غياب المبادرة من جانب القوى التشرينية، ما تسبب بشلل دور الدياسبورا اللبنانية المتواجدة في كل مكان.

لم تفضح السلطة اللبنانية كما ينبغي العدوان المزدوج والأهداف الآثمة لتل أبيب وطهرن. لم تقطع مع دور خطير لحزب السلاح الإيراني، تسبب بوضع كل لبنان تحت وطأة العقاب الجماعي. السلطة التنفيذية حالة كونفدرالية طائفية يبدو أنها مرتاحة لدور هيئة إغاثة بالممكن، فيما السلطة التشريعية في غيبوبة مطلقة، وهذا حال عشرات السفارات اللبنانية حول العالم.

مع خسارات مروعة في الحياة، دمار البيوت والبلدات ومحوها عن الخريطة ومحو ذاكرة وماضي وحاضر ومستقبل. ومع إحتلال تام لكل جنوب الليطاني، وحصار صور والجيوب المسيحية والدرزية والسنية، التي لم تدمر لأنها منعت حزب السلاح من بناء مدن أنفاق تحت عمرانها.. وإحتلال تجاوز الليطاني وبات يطوق مرتفعات الشقيف، ويتقدم لحصار النبطية ويتوسع بقضائها، وخط أصفر يمتد نحو البقاع الغربي الذي يستكمل العدو تهجيره. ونحو 80 بلدة فارغة من سكانها وعمرانها خاضعة للإحتلال، ومثلها بلدات تحت النار تم تهجير أهلها ويجري تدمير عمرانها، وما يلوح في الأفق أن العدو قد لا يتوقف عند الزهراني وربما يصل إلى الأولي مع فرضه إخلاآت في بعض قرى قضائي جزين وصيدا.. فإن المريب هو الأداء الرسمي!

كيف ينام المسؤول والأهوال التي تضرب لبنان بلغت هذا المدى؟ كيف يبتسمون أمام الكاميرا في إستقبالات ولقاءآت روتينية وكأن البلد بألف خير؟ أين مسؤولية نواب الأمة عن رسم السياسات المطلوبة ومحاسبة الحكومة ومتابعة خطواتها؟ أين نواب الجنوب؟ أين مجلس النواب من هذه الأهوال، وهو لم يعقد ولو جلسة واحدة من باب الحشرية لمناقشة ما يجري، ولم يشهد أي مبادرة لتحريك برلمان في العالم دعما للبنان؟ وهل من أمل ليقطع هؤلاء السادة إجازتهم المفتوحة للإجتماع وسؤال الحكومة لماذا فرضت هذه الحرب؟

10% تقريباً من مساحة لبنان هي اليوم تحت الإحتلال ونحو 25 ألف ضحية وعشرات ألوف الجرحى وأكثر من مليون ومائتي ألف مهجر.. ومعهم نحو ثلثي اللبنانيين  تحت وطأة الفقر، وفقدان الأمن الغذائي يطاول نحو مليون لبناني، والكارثة التي تضرب التعليم غير مسبوقة، ولا يبدو أن شيئاً سيفرض على نظام المحاصصة الطائفي، الذي أحيته التعيينات الإدارية، أي تغيير في أدائه.

لكن عفواً، البرلمان منشغل هذه الأيام بإعداد قانون عفو خطير، منطلقه معالجة إقتظاظ السجون، عوض حث القضاء وإخراجه من تقاعسه عن البت بوضع السجناء وإنهاء مظلومية كثيرين ومعاقبة المرتكبين. إنه قانون عفو يصل إلى جرائم قتلٍ خطيرة، وجرائم تمويل الإرهاب وتبييض الأموال وسرقة الودائع وجرائم بيئية وإرتكابات تجار المخدرات ومصنعيها ومروجيها، كما جرائم الإغتصاب والإعتداء على النساء.. و فوق ذلك جرائم قتل عسكريين وأمنيين.. نحن في لبنان أمام برلمان عوض أن يتحمل مسؤوليته عن حماية المجتمع فهو ببساطة يعيد إنتاج الإفلات من العقاب لكن هذه المرة بقوة القانون!

البرلمان الذي إنتخب وفق قانون مذهبي يزور التمثيل الحقيقي في صدد التشريع لعدم المحاسبة وتحويل البلد إلى غابة. إنه يفصل قانون عفو على مقاس مواقع النفوذ ومقاس توازنات طائفية وسياسية مقيتة. إنه مشروع قانون حجب العدالة ومنعها.. والأكيد أن ما يجري من منحى مخيف هو اليوم تحت مجهر الخارج المذهول من تكريس نهج الإنهيار في التشريع!

وبعد، متى يتبلور مشروع “القطب الشعبي” التشريني البديل لقيادة تغيير طال إنتظاره؟ ومتى تتبلور خطوات بناء “الكتلة التاريخية”، حاملة وجع الناس وحقوقهم وقادرة على مواجهة “الكتلة التاريخية” السوداء، الممسكة برقاب اللبنانيين وتمعن في خطوات إنكار حقوقهم الأولية وماضية في إذلالهم؟ المبادرة الآن الصريحة والواضحة، مع برنامج بديل لقيام دولة تحمي اللبنانيين وتصون الحقوق والكرامة والسيادة وتستعيد الأرض، قادرة على تحقيق إستقطاب حقيقي لمواجهة التحالف الممسك بمفاصل القرار. وحدها المبادرة الجدية الآن  تدخل الهواء النظيف الذي يمكنه أن يكنس “الغرغرينا” المتحكمة باللبنانيين!

وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، وما تستثني حدن منن.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram