صناعة الوهم الممانع

بقلم بودوان عبدالنور
منذ الأمس، يصرّ بعض المحللين المحسوبين على محور الممانعة، ومعهم جزء من اليسار التقليدي، على الترويج لرواية مفادها أن إيران فرضت على الولايات المتحدة، خلال المفاوضات، أن يشمل الحل لبنان.
غير أن الوقائع المتتالية جاءت لتنسف هذه السردية تباعاً. فقد خرج رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ليعلن صراحة أن لبنان غير مشمول بأي اتفاق. ثم تبعه رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي بالموقف نفسه، قبل أن يؤكد الجيش الإسرائيلي ذلك رسمياً في بياناته.
ورغم هذا التسلسل الواضح، استمر هؤلاء في اعتبار التصريحات مجرد مناورة أو محاولة “حفظ ماء الوجه”. لكن الأمور لم تتوقف عند التصريحات، بل انتقلت إلى الميدان، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي انتهاء عملية “زئير الأسد” وإطلاق عملية جديدة تحت اسم “الظلام الدامس”، في إشارة واضحة إلى انخراط عسكري متجدد في لبنان.
وترافق ذلك مع تصعيد غير مسبوق، تمثّل في تنفيذ مئات الغارات خلال وقت قياسي، طالت بيروت والجبل والجنوب والبقاع، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا. ومع ذلك، بقيت هذه الجهات متمسكة برواية أن ما يجري ليس سوى “خاتمة عمليات” أو “مناورة عسكرية”.
هذا الإصرار على الإنكار ليس تفصيلاً، بل يرتبط بجوهر السردية التي جرى تسويقها فور الإعلان عن التوصل إلى “اتفاق”، والذي تبيّن لاحقاً أنه لا يتعدى كونه هدنة مؤقتة. فقد سارع هؤلاء إلى تقديم ما جرى على أنه انتصار إيراني ورضوخ أميركي، وكان إدخال لبنان ضمن الاتفاق حجر الأساس في هذه الرواية، لأنه يعني عملياً فشل واشنطن في مسعاها لفصل إيران عن أذرعها الإقليمية.
لكن مع سقوط هذا الادعاء، يصبح من الصعب الدفاع عن باقي عناصر السردية، سواء ما يتعلق بالملف النووي أو الصواريخ الباليستية، وهي ملفات لا تظهر نتائجها مباشرة على الأرض، بخلاف استمرار العمليات العسكرية في لبنان، الذي يشكّل دليلاً حسياً لا يمكن إنكاره.
وإذا ما تجاوزنا كل ما سبق، فإن الموقف الحاسم جاء من واشنطن نفسها، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوضوح أن الاتفاق لا يشمل لبنان، ما يعزز فرضية أن طهران قد تكون اضطرت، أو أُجبرت، على التراجع عن أحد أبرز ثوابتها المرتبطة بأذرعها الإقليمية.
في هذا السياق، يبرز منحى آخر لا يقل خطورة، تمثّل بمحاولات تحميل مسؤولية “إفشال الهدنة” لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، على خلفية تأكيده أن التفاوض باسم لبنان هو حصراً من صلاحيات الدولة. وهي محاولة تعكس قدراً كبيراً من التسييس والتضليل، عبر قلب الوقائع وتحميل المسؤوليات في غير مكانها.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد اختلاف في التقدير، بل صراع بين واقع ميداني واضح وسرديات تحاول الصمود رغم انهيار أسسها. والإصرار على الإنكار، مهما طال، لا يغيّر من حقيقة أن الوقائع على الأرض تبقى الفيصل النهائي في الحكم على الأحداث.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram