كتب اسعد نمور لـ”arab files”:
هل يُعقل أن ننجو من صواريخ الطيران، لنُقتل برصاص جيراننا “المبتهجين”؟! هذا بالضبط ما حدث يوم أمس في بيروت. ففي اللحظة التي التقط فيها اللبنانيون أنفاسهم، وتسمروا أمام الشاشات ليسمعوا أخيراً خبر دخول سريان وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تحولت الفرحة المنتظرة إلى كابوس دموي جديد، ولكن هذه المرة.. بأسلحتنا وفي شوارعنا!
ما إن أُعلن عن بدء سريان الهدنة، حتى تحولت سماء بيروت، وتحديداً الضاحية الجنوبية، إلى ما يشبه ساحة معركة مفتوحة. لم يكن التعبير عن الفرح بالهتاف أو التكبير، بل باستعراض مرعب للقوة النارية. أصوات إطلاق النار الكثيف والعشوائي من الأسلحة الرشاشة والمتوسطة شقت صمت الليل، لتمطر أحياء العاصمة برصاص طائش لا يعرف التفريق بين حجر وبشر. وفي مشهد سريالي يحبس الأنفاس، لم يكتفِ البعض بالرصاص، بل لجأوا إلى إطلاق قذائف صاروخية من طراز B7 (آر بي جي) ابتهاجاً! نعم، قذائف مضادة للدروع تُطلق في الهواء فوق رؤوس آلاف العائلات التي كانت تحتمي بالأمس القريب من الغارات والموت.
وسط هذه الهيستيريا، كانت النتيجة حتمية وكارثية. الرصاص الذي صعد إلى السماء لا بد أن يعود إلى الأرض، وعودته كانت قاتلة. سقط عدد من الضحايا الأبرياء، تحولت أجسادهم إلى صناديق بريد لرصاص “الابتهاج” العشوائي. عائلات نجت بأعجوبة من حرب طاحنة وأهوال القصف الإسرائيلي، وجدت نفسها تفجع بأبنائها وهم آمنون في بيوتهم أو على شرفاتهم، لا لشيء، إلا لأن هناك من قرر أن “يحتفل” على طريقته الهمجية.
وما يزيد مرارة المشهد ويكوي القلوب، هو أن أهالي بيروت الذين فتحوا صدورهم قبل أبواب بيوتهم، واحتضنوا وآووا النازحين من الضاحية في أوج الحرب، كان “رد الجميل” لهم بهذه الطريقة المستفزة! أمطرت سماء العاصمة بالرصاص الطائش الذي اخترق النوافذ وهشم السيارات وألحق أضراراً فادحة بممتلكات البيروتيين، وكأن لسان حال هذا الرصاص الأرعن يقول: “شكراً على استضافتكم.. خذوا هذا الخراب عربون وفاء!”.
“أن تعيش طوال فترة الحرب وتنجو من الموت ألف مرة، ثم تموت برصاصة طائشة أو يُدمر جنى عمرك على يد من آويته احتفالاً بانتهاء الحرب.. تلك هي قمة المأساة والعبث!”
ما جرى يوم أمس في بيروت ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو جرس إنذار مرعب يطرح أسئلة موجعة: إلى متى سيدفع الأبرياء ثمن هذا الجهل القاتل؟ وكيف يمكن لثقافة “الاحتفال بالنار” أن تُنغّص فرحة وطن بأكمله بنهاية مأساته؟ لقد سكتت مدافع إسرائيل، نعم، لكن يبدو أننا بحاجة إلى “هدنة” من نوع آخر.. هدنة مع أنفسنا، ومع هذا الرصاص العشوائي الذي بات يغتالنا في عز أفراحنا.
رحم الله ضحايا “الابتهاج” الرخيص، وعوّض على من تضررت أرزاقهم، ولعن الله كل رصاصة طائشة سرقت روحاً بريئة أو دمرت تعب سنين بعد أن كُتب للجميع النجاة!