رامي الأمين: أغمضي عينيك يا بلادنا..


كتب رامي الأمين:

وضَعَ الشاب كلتا يديه على وجهه، مقفلاً على العتمة لحظاته الأخيرة قبل ان تنفجر به المسيّرة. وكأنما عاد إلى ما علّمته إياه أمّه في طفولته، في التعامل مع الحقنة عند الطبيب مثلاً: “اغمض عينيك يا ماما، ولن تشعر بشيء”.

تحرّك الشاب بدافع غريزة العجز أمام التكنولوجيا، أمام الموت الذي صار لعبة تتحكم بها أزرار عن بعد، فوضع كلتا كفيه على وجهه ليداري بهما الموت المسيّر صوبه.

هذا العجز الرهيب يقول لنا الكثير عن الهوة السحيقة بيننا وبين الآلة العسكرية الحديثة، ولا ينقل إلينا المشهد إلا الرعب وانقباض القلب. شعرتُ وأنا أشاهد الفيديو، انني مثل الشاب، على وشك ان اترك الهاتف وأضع كلتا يديّ على وجهي لأحمي نفسي من المشهد، ان احمي نفسي من هذه الحقنة القاتلة.

هذا كثيرٌ عليّ، وكثيرٌ علينا كلنا. وكثيرٌ على أم هذا الشاب اذا رأت الفيديو. وكثير على هذه البلاد الضئيلة.

هذه ليست معركة متكافئة. الخلاف مع هؤلاء الشبان الصادقين في عقيدتهم وإيمانهم بقضيتهم وتعلقهم بأرضهم، مرده إلى الخلاف مع قيادتهم السياسية المتهورة، المرهونة لمشروع ثورة اسلامية مستوردة من إيران، وأخذها البلاد رهينة الغيب والحسابات الاقليمية.

لا يلغي هذا الخلاف الجوهري، القهر على هؤلاء الشبان، إزاء هذه العبثية المطلقة التي ترمي بهم في هوة سحيقة لا قعر لها. هذا الشاب هو البلاد كلها، وقد غطت وجهها بيديها، قبل الانفجار النهائي الكبير.

اغمضي عينيك يا بلادنا، ولن تشعري بشيء.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram