رسم أستاذ العلوم السياسية في جامعة “جورج ميسن” الأمريكية، الدكتور ديفيد رمضان، خريطة معقدة للمسارين العسكري والدبلوماسي في الشرق الأوسط، كاشفاً عن تباينات جوهرية بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وموجهاً انتقادات لاذعة لأداء السلطة اللبنانية في مواجهة التمدد الإيراني.
لغز غياب المرشد وتخبط القرار الإيراني أشار الدكتور رمضان إلى أن التخبط الحاصل في تصريحات المسؤولين الإيرانيين يعود بالدرجة الأولى إلى أزمة غياب “المرشد الأعلى”، مؤكداً بناءً على معطيات أمنية أن مجتبى خامنئي متواجد حالياً في منطقة نائية، ويعاني من إصابة بليغة جداً تعوق تواصله المباشر وإدارته للملفات الحساسة. وأوضح أن النظام الثيوقراطي، المعتمد كلياً على سلطة “الولي الفقيه” المطلقة، يفتقد اليوم للرأس القادر على اتخاذ قرارات مصيرية أو تقديم تنازلات جوهرية لإتمام صفقة شاملة مع الولايات المتحدة، ما يعزز حالة الانسداد الدبلوماسي الحالية.
معادلة إسرائيل الجديدة: قصف الضاحية مقابل الاستنزاف وفي الشق اللبناني، توقف رمضان عند الإنذار الإسرائيلي الأخير الذي أطلقه نتنياهو وكاتس، والذي يضع الضاحية الجنوبية وبيروت أمام معادلة قاطعة: “إما وقف إطلاق النار الفوري والاستسلام للقرارات الدولية، وإما تحويل العاصمة وضاحيتها إلى رماد”.
وانتقد رمضان أداء حزب الله الذي يبرر الخسائر الفادحة (التي بلغت نحو 7500 قتيل ونزوح كامل لبيئته) تحت شعارات “التكليف الإلهي والشرعي للموت”، مثلما صرح النائب حسن عز الدين، معتبراً أن الحزب لا يبالي بالكلفة الكارثية على الحجر والبشر لأنه يتحرك كأداة للمشروع الإيراني.
انتقاد السلطة ودور رئيس الجمهورية وجّه الدكتور رمضان انتقاداً مباشراً وثقيلاً لأركان السلطة اللبنانية، محذراً من الإفراط في منح “الكريديت” أو الإشادة بمفاوضات واشنطن طالما أنها تفتقر إلى إجراءات حازمة على الأرض. ودعا رمضان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، انطلاقاً من معرفته الدقيقة كقائد جيش سابق ببنية وتغلغل حزب الله، إلى اتخاذ خطوات سيادية فورية تشمل إخراج وزراء الحزب من الحكومة، وملاحقة قياداته، وضبط المظاهر المسلحة، وتطهير المؤسسات من الموالين للميليشيا. وجزم رمضان بأن لا إسرائيل ولا أمريكا ستقومان بتفكيك الحزب على الأرض، بل هي مهمة تقع حصراً على عاتق الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية إذا قررت الخروج من جلباب “الدكانة” والتحول إلى دولة حقيقية.
سقف المفاوضات: ترامب رجل الصفقات وفي قراءته لعقلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصفه رمضان بأنه “رجل صفقات” بامتياز، يسعى لإرساء سلام إقليمي يحقق مصالح بلاده الاقتصادية ويرفع من أسهمه للحصول على جائزة نوبل للسلام. وكشف رمضان أن السقف الواقعي للمفاوضات الأمريكية – الإيرانية المتعثرة لن يتجاوز حدود “مذكرة تفاهم أو هدنة طويلة الأجل”، تتيح لطهران الخروج دون الانتحار الكلي مع تسويق “نصر داخلي وهمي”، مؤكداً أن ترامب لا يضع “تغيير النظام الإيراني” كأولوية أو هدف للحرب – على عكس رغبة نتنياهو – تجنباً لجر واشنطن إلى وحل إعادة بناء الدول وتغيير الأنظمة كما حدث في الثمانينات.
