خيارات إسرائيل لغزة بعد حرب إيران: تجزئة وفراغ استراتيجي

في قراءة نقدية لافتة، أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 18 أيار 2026 وثيقة سياسات بعنوان “البدائل لقطاع غزة بعد الحرب مع إيران”. وتكتسب هذه الوثيقة أهمية بالغة، نظراً لمكانة المعهد كمرجع بحثي يؤثر بشكل مباشر في دوائر صنع القرار الإسرائيلي.

يسلط التحليل، الذي أعده أمير مخول من “مركز تقدم للسياسات”، الضوء على الاستراتيجيات الإسرائيلية المحتملة للتعامل مع غزة في المرحلة المقبلة، في ظل التحولات الإقليمية والدولية.

الفراغ الاستراتيجي وعودة نفوذ حماس

يُحذّر المعهد الإسرائيلي من أن انشغال واشنطن وتل أبيب والمنطقة بالملف الإيراني قد خلق “فراغاً استراتيجياً” في قطاع غزة، استغلته حركة حماس بذكاء. فقد رفضت الحركة التخلي عن سلاحها ضمن مهلة الـ 60 يوماً المحددة، وتجاهلت خطة المسؤول التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف. وإلى جانب ذلك، سعت حماس بشكل ممنهج للسيطرة مجدداً على آلية توزيع المساعدات الإنسانية، متخذة منها ركيزة أساسية لتثبيت حكمها. ويتوقع المعهد أن تعود غزة إلى صدارة المشهد الدولي بمجرد تراجع حدة المواجهة مع إيران، مما يفرض على إسرائيل تحديد مسارها قبل فرض خيارات خارجية عليها.

السلطة الفلسطينية أمام أرقام كارثية

على المقلب الآخر، تتبنى السلطة الفلسطينية سياسة “الانتظار”، متجنبة تسلم الإدارة المدنية للقطاع في الوقت الراهن. ويعود ذلك إلى حجم الكارثة المهول الذي تعكسه أرقام البنك الدولي، والذي يتضمن:

  • 35.2 مليار دولار حجم الأضرار في البنية التحتية.
  • 60% نسبة الدمار في الوحدات السكنية.
  • 68 مليون طن من الأنقاض المشبعة بالمتفجرات.
  • 70 مليار دولار التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار.
  • 1.9 مليون نازح ونازحة يعيشون ظروفاً مأساوية.

خطة ملادينوف وعقبات التفاوض

تتركز النقاشات الحالية حول خطة ملادينوف المؤلفة من خمس نقاط، والتي تعالج المرحلة الثانية من “خطة ترامب” تحت مبدأ: “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”.

وتقترح الخطة نقل الإدارة إلى حكومة تكنوقراط، ونزع سلاح حماس تدريجياً مع آليات مراقبة صارمة، وتفعيل دور قوات أمن فلسطينية تلقت تدريبات في مصر والأردن، مع دمج عناصر من حماس داخلها. في المقابل، تصر إسرائيل على منع حماس من استعادة قوتها العسكرية، وترفض قطعياً منح السلطة الفلسطينية أي دور رسمي ومؤسساتي داخل القطاع.

3 خيارات إسرائيلية: التجزئة هي المرجّحة

استعرضت الوثيقة ثلاثة مسارات مستقبلية للتعامل مع غزة:

  1. التطبيق الشامل لإنهاء الحرب: عبر ضغط إقليمي منسق. ورغم إقرار المعهد بأنه الخيار الأكثر استدامة وقبولاً لدى الفلسطينيين، إلا أنه يستبعده حالياً بسبب تراجع الاهتمام الأميركي.
  2. التطبيق التدريجي للمرحلة الثانية (الخيار المرجح): يقوم على تقسيم غزة إلى منطقتي نفوذ؛ حيث يبدأ الإعمار في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بينما يتم تضييق الخناق على حماس في المنطقة الأخرى.
  3. العودة للحرب والاحتلال الشامل: خيار مستبعد نظراً لغياب الغطاء الشعبي الإسرائيلي، ولما يحمله من أعباء اقتصادية، وأمنية، وإدارية ضخمة.

استنتاجات: أفق سياسي مسدود

يكشف التحليل أن مقاربة المعهد الإسرائيلي للملف هي مقاربة “أمنية بحتة” تفتقر لأي أفق سياسي، رغم اعترافه بالحاجة لرفع الفيتو عن دور السلطة الفلسطينية. كما أن الخيار المرجح إسرائيلياً (التجزئة) لا يعني الانسحاب، بل يؤسس لواقع “المنطقة العازلة” الدائمة؛ وهو نهج يتوافق مع سياسة إسرائيل التاريخية منذ اتفاق أوسلو.

إن التضييق على عمل حكومة التكنوقراط، ورفض تفعيل الأمن الفلسطيني، وضعف مجلس السلام، كلها مؤشرات تؤكد أن الحل لا يزال بعيداً، وأن المعاناة الإنسانية للفلسطينيين ستستمر وتتفاقم.

الدور الأميركي والانتخابات الإسرائيلية

في النهاية، تشير الورقة إلى أن الموقف الأميركي سيبقى الموجه الأساسي للمسار الإسرائيلي. فإذا نجحت واشنطن في ملف إيران، سيخف الضغط لتطبيق خطة ترامب في غزة. أما في حال تعثرها، فسيصبح إنهاء حرب غزة أولوية أميركية لتعويض التراجع الاستراتيجي. ويُضاف إلى هذا المشهد المعقد اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، والتي تشكل بحد ذاتها عقبة سياسية كبرى أمام أي حلول لإنهاء الحرب حالياً.

(رابط النص التحليلي الموسع في التعقيب الأول)

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram