

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الطريق بالصعود من بيروت نحو الجبل يشعر الزائر بأنه يتجه إلى مكان مختلف لان الهواء يصبح أكثر نقاءً والمساحات الخضراء تتسع أمام الناظر حيث تبدأ مدينة عاليه بالظهور على تلالها المتناثرة عقدا أخضر يزين خاصرة جبل لبنان.
وفي جولة ميدانية لموقع Arab Files في ارجاء “عروس المصايف” بدا واضحاً أن عاليه لا تعيش على أمجاد الماضي فقط بل تصنع حاضرها ومستقبلها بثقة مستندة إلى رؤية تنموية متواصلة جعلتها نموذجاً لبنانياً ناجحاً في الإدارة المحلية والتنمية المتكاملة…وهو ما يعبر عنه الجميع في عروس المصايف مؤكدين ان بلديتها برئاسة وجدي مراد حققت كل هذه الانجازات منذ عام 1998 حتى اليوم.
تقع عاليه على ارتفاع بين 800 وألف متر عن سطح البحر وتبعد نحو ربع ساعة فقط عن العاصمة بيروت لكنها تبدو وكأنها عالم آخر فمن فوق تلالها التسعة الشهيرة يستطيع الزائر أن يشاهد في الوقت نفسه عمق الجبل اللبناني الأخضر وسحر البحر الأبيض المتوسط الممتد حتى الأفق.
عاليه مركز قرار اساسي في حياة جبل لبنان فهي المركز الاداري لقضاء عاليه وتقع على منتصف الطريق من بيروت الى البقاع قبل بحمدون وصوفر وضهر البيدر ولها تاريخها في الاصطياف.
وتحيط بها بلدات عريقة مثل سوق الغرب وبيصور امتدادا الى خط الغرب والشحار وصولا الى جسر القاضي في بيئة تراثية وصنوبرية خضراء تعكس اصالة الجبل وجماله وسحر تألقه.
وعلى طول الطريق داخل المدينة تتكشف مشاهد تجمع بين التراث والحداثة… قصور حجرية عريقة بأسقف قرميدية حمراء تقف إلى جانب مبانٍ حديثة وفيلات أنيقة ومجمعات سكنية جديدة بينما تنبض الأسواق التجارية بالحركة والحياة على مدار السنة.
وفي جولتنا على الاسواق التجارية كانت الحركة أشبه بمدينة لا تعرف الركود فهناك محلات تجارية من مختلف الاختصاصات ومطاعم ومقاهٍ ومؤسسات خدماتية ومراكز استثمارية تؤكد أن عاليه مدينة متكاملة تعيش وتعمل وتنتج طوال العام.
في الصيف تستقبل المدينة آلاف المصطافين والمغتربين اللبنانيين والعرب الذين يقصدونها هرباً من حرارة المدن الساحلية أما في الشتاء فتتحول إلى محطة أساسية لمحبي الأجواء الجبلية والطبيعة الهادئة مستفيدة من موقعها الاستراتيجي القريب من بيروت ومن مختلف مناطق جبل لبنان.
وتنتشر في المدينة الفنادق والشقق المفروشة وبيوت الضيافة والمطاعم التي تقدم مختلف المأكولات اللبنانية والعالمية مما يجعلها وجهة سياحية متكاملة تستجيب لجميع الأذواق والاحتياجات.
ويصعب على من يشاهد عاليه اليوم أن يتخيل حجم الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب اللبنانية فالمدينة التي كانت إحد أبرز وجهات السياحة العربية تعرضت مثل غيرها من المناطق اللبنانية لسنوات قاسية تركت آثاراً كبيرة على بنيتها الاقتصادية والسياحية.
لكن ما حدث لاحقاً يشبه قصة نهوض استثنائية فمنذ عام 1998 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المدينة مع انتخاب وجدي مراد رئيساً لبلدية عاليه لتتحول البلدية إلى خلية عمل دائمة وضعت هدفاً واضحاً: إعادة عاليه إلى موقعها الطبيعي عاصمة سياحية واقتصادية وثقافية للجبل.
مراد: عاليه مشروع دائم لا يتوقف
في مكتبه المطل على المدينة استقبلنا رئيس البلدية وجدي مراد الذي يتحدث عن عاليه بلغة من يعرف تفاصيلها حجراً حجراً قائلا: “عاليه ليست مجرد مدينة جميلة بل مسؤولية كبيرة ومنذ اليوم الأول وضعنا هدفاً واضحاً يتمثل في تطوير المدينة مع الحفاظ على هويتها وتراثها وخصوصيتها وقد آمنا منذ البداية أن التنمية الحقيقية لا تعني الإسمنت فقط بل الإنسان والبيئة والاقتصاد والثقافة والرياضة والخدمات.”
ويضيف مراد: “نجاح عاليه لم يكن نتيجة عمل فردي بل ثمرة تعاون بين المجلس البلدي وأهالي المدينة وفعالياتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية بالتالي فان الجميع شاركوا في صناعة هذه التجربة.”
و يشير مراد إلى أن التحدي الأكبر كان المحافظة على التوازن بين التطور العمراني والطابع التراثي الذي تتميز به المدينة وهو ما نجحت به عاليه إلى حد كبير مقارنة بالكثير من المدن الجبلية الأخرى.
رأس الجبل… حيث يلتقي الفن بالطبيعة.
ومن أبرز المحطات التي تضمنتها الجولة زيارة منطقة رأس الجبل حيث يقع سمبوزيوم عاليه للنحت أحد أجمل المشاريع الثقافية المفتوحة في لبنان لانه هنا يتوزع نحو 90 منحوتة فنية أنجزها عام 2000 تسعون نحاتاً عربياً وعالمياً وسط مساحة طبيعية ساحرة تطل على البحر والجبل معاً وقد تحول هذا المكان إلى متنزه ثقافي وسياحي وعائلي بامتياز وهو يشكل اليوم أحد أبرز المعالم التي يقصدها الزوار من مختلف المناطق اللبنانية.
وهنا يؤكد مراد أن الثقافة والفنون جزء أساسي من هوية المدينة مشيراً إلى أن الاستثمار في الجمال لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والمؤسسات السياحية والاقتصادية وهو ما يتساوى مع الاستثمار في الرياضة والعمل التنموي المشترك والواعد.
مجتمع متضامن وحياة متكاملة.
وما يلفت الانتباه في عاليه ليس فقط عمرانها أو طبيعتها بل شبكة التضامن الاجتماعي الواسعة التي تجمع أبناءها وها هي الجمعيات الأهلية والتطوعية والمؤسسات الاجتماعية تنشط في مختلف المجالات من دعم الطلاب ومساعدة العائلات المحتاجة إلى تنفيذ المشاريع التنموية والبيئية والتربوية.
وتضم المدينة مدارس عريقة وجامعات ومؤسسات صحية وخدماتية متطورة مما يجعلها مركزاً حيوياً ليس لأبنائها فقط بل لعشرات القرى والبلدات المحيطة بها كيف اذا كانت الحياة الرياضية فيها نابضة وللفروسية مكانة خاصة.
ويؤكد مراد أن الهدف الأساسي يتجسد في توفير الظروف التي تسمح للإنسان بالبقاء في أرضه وعدم الهجرة منها مشددا على “حتمية أن يجد الشاب فرصته هنا وأن تجد العائلة كل مقومات الحياة الكريمة هنا وعندها تنجح المدينة في إبقاء أبنائها فيها وتكون قد حققت أهم إنجاز تنموي” وهناك كل مقومات السياحة البيئية والطبيعية التي تجذب المرء والجماعة كيف اذا كانت على مرمى حجر من بيروت والساحل.
نموذج لبناني ناجح.
وعاليه اليوم ليست مجرد عروس للمصايف بل نموذج تنموي متكامل يجمع بين الاقتصاد والسياحة والثقافة والبيئة والخدمات الاجتماعية وهي مدينة استطاعت أن تحافظ على تقاليدها الجبلية اللبنانية الأصيلة حيث ما زالت المونة والضيافة والعلاقات الاجتماعية الدافئة جزءاً من الحياة اليومية وفي الوقت نفسه نجحت في مواكبة العصر وتطوير مرافقها وبنيتها التحتية.
ومن منطقة ال”بلاكين” ومن شرفات المدينة المطلة على البحر ومن تلالها الخضراء ومن أسواقها المزدحمة بالحياة ومن مشاريعها الثقافية والبيئية ترسل عاليه رسالة واضحة: التنمية ليست شعاراً بل عمل يومي متواصل.
وبعد أكثر من ربع قرن على انطلاق مسيرة التطوير والحداثة فيها تبدو المدينة اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى لاستقبال المصطافين والمغتربين والسياح لان عروس المصايف عادت بالفعل وأجمل مما كانت عليه حيث يواصل وجدي مراد ومعه المجلس البلدي وأبناء المدينة كتابة فصل جديد من قصة نجاح لبنانية تستحق أن تُروى.
