ليس جديداً أن يجد لبنان نفسه وجهاً لوجه مع إسرائيل. الجديد فقط أن الزمن تغيّر، وأن اللاعبين تبدّلوا، فيما بقيت الجغرافيا هي نفسها، وبقيت الهشاشة اللبنانية على حالها. قبل 43 عاماً، ظنّ البعض أن اتفاق 17 أيار 1983 يمكن أن يؤسس لمرحلة مختلفة. لم يكن وهماً صغيراً، بل مشروعاً كاملاً سقط تحت ثقل الوقائع.
جرت المفاوضات في خلدة، بعيداً من الأضواء، ولكن تحت عيون الجميع. ترأس الوفد اللبناني أنطوان فتال، رجل الدولة الهادئ، فيما تولّى دافيد كيمحي قيادة الوفد الإسرائيلي، بعقل أمني يعرف كيف يفاوض. وبينهما، كان المبعوث الأميركي فيليب حبيب، يحاول أن يصنع تسوية قابلة للحياة في بلد لا يعيش على التسويات.
الاتفاق لم يكن مثالياً، لكنه كان محاولة للخروج من الاحتلال بشروط محددة. غير أن دمشق قرأت فيه ما يتجاوز بنوده: خروج لبنان من تحت عباءتها. هنا بدأ العمل على إسقاطه. لم يكن ذلك سياسياً فقط، بل أمنياً وميدانياً، عبر حلفاء لبنانيين تولّوا المهمة حتى النهاية.
وجاءت 6 شباط 1984، لتقول الكلمة الفصل. سقط الاتفاق، وسقط معه وهم القرار اللبناني المستقل في تلك المرحلة.
بين الأمس واليوم، مشهد لافت يعيد إلى الأذهان صور خلدة ولكن بصيغة مختلفة: لقاء غير مباشر جمع السفيرين اللبناني والإسرائيلي برعاية وزير الخارجية الأميركي Marco Rubio. لا اتفاق معلناً ولا صور رسمية، بل إدارة دقيقة لخط تواصل حساس، يتقدم خطوة ويتراجع اثنتين. الفارق أن الرعاية الأميركية مستمرة، لكن الأدوات تغيّرت، واللغة باتت أكثر براغماتية. ما كان يُبحث في غرف مغلقة قبل 43 عاماً، يُدار اليوم ببرودة سياسية، تحت سقف منع الانفجار لا صناعة السلام.
اليوم، يعود الحديث عن تفاوض أو مواجهة. الفارق أن أحداً لا يتوهم كثيراً. في لبنان، التجارب لا تُنسى… لكنها أيضاً لا تُستثمر كما يجب.