خاص_إيران تعبّئ شعبها الذي أنهكته الحرب

في إيران، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية مع الخارج، بل تحوّلت إلى مشروع تعبئة مجتمعية شاملة. الدولة التي بنت منذ قيام الجمهورية الإسلامية فلسفتها على “الحشد العقائدي”، عادت اليوم إلى أكثر أدواتها فعالية: الناس. لكن هذه المرة، ليس عبر الشعارات وحدها، بل عبر حملة ضخمة تقول السلطات الإيرانية إنها جذبت عشرات ملايين المتطوعين تحت عنوان: “سأضحي بحياتي من أجل إيران”.
الرواية الرسمية تتحدث عن أكثر من ثلاثين مليون تسجيل في حملات التعبئة، فيما أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن سبعة ملايين إيراني أبدوا استعدادهم لحمل السلاح خلال أيام قليلة فقط. لكن خلف هذه الأرقام الضخمة، ثمة سؤال أساسي: هل نحن أمام نهضة تعبئة وطنية حقيقية، أم أمام محاولة من النظام لإعادة إنتاج شرعيته عبر الحرب؟
إيران تعرف جيداً كيف تستخدم الخطر الخارجي لإعادة شدّ العصب الداخلي. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية، شكّلت قوات “الباسيج” نموذجاً لدمج المجتمع بالحرب، وتحويل المواطن إلى عنصر تعبئة دائمة. الجديد اليوم أن السلطة لا تطلب فقط مقاتلين، بل تطلب مجتمعاً بأكمله تحت إدارة أمنية ـ عسكرية: أطباء، مهندسين، طهاة، أصحاب سيارات، متطوعين لحراسة المنشآت النفطية، وحتى سلاسل بشرية لحماية مراكز الطاقة.
لكن المشهد ليس بهذه البساطة. فهذه التعبئة تأتي بعد أشهر من احتجاجات داخلية عنيفة هزّت إيران، وكشفت حجم التصدع الاجتماعي والاقتصادي داخل البلاد. لذلك يرى مراقبون أن النظام الإيراني يحاول استثمار الحرب لإعادة إنتاج مفهوم “الوحدة الوطنية”، وتجاوز آثار الأزمة الاقتصادية والانقسام الشعبي.
المفارقة أن السلطة التي واجهت جزءاً من شعبها بالقمع في الشوارع، تعود اليوم لتطلب من هذا الشعب نفسه أن يتحول إلى خط دفاع أول عن النظام. وهنا تكمن العقدة الإيرانية الكبرى: هل يدافع الإيرانيون عن الدولة أم عن السلطة؟ عن الوطن أم عن النظام؟
في المقابل، تبدو القيادة الإيرانية مقتنعة بأن الحرب الطويلة تحتاج إلى “مجتمع مقاتل”، لا إلى جيش فقط. لهذا، يجري توسيع مفهوم التعبئة إلى الحياة اليومية نفسها. حتى أزمة الكهرباء تحولت إلى جزء من “المعركة الوطنية”، بعدما دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين إلى اعتبار ترشيد الطاقة عملاً مقاوماً.
ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد حملة تطوع. إنه إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والمجتمع تحت عنوان الحرب. وبينما تسوّق طهران المشهد باعتباره “معجزة شعبية”، يخشى كثيرون أن يكون مؤشراً على انتقال إيران من دولة مأزومة إلى دولة تعيش على منطق التعبئة الدائمة، حيث يصبح الخوف وقوداً للحكم، وتصبح الحرب أسلوب إدارة لا ظرفاً استثنائياً.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram