يونيو 11, 2026
أخبار لبنان الرئيسية

خاص_أبعد من النفاق اللبناني والحنان السعودي

خاص_أبعد من النفاق اللبناني والحنان السعودي

في لبنان، ثمة مبالغة تكاد تلامس النفاق في طريقة التعاطي مع قرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح أسواقها أمام المنتجات اللبنانية. عشرات البيانات والمواقف والتغريدات انهالت بالشكر والثناء، حتى بدا المشهد وكأن المملكة منحت لبنان هبة استثنائية لا حقاً طبيعياً يعود إلى مكانه بعد إزالة الأسباب التي أدت إلى تعطيله.
الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. فالعلاقة بين لبنان والسعودية لا تحتاج إلى كل هذا الضجيج اللفظي. إنها علاقة عميقة ومتجذرة في التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، وعلاقة أثبتت نفسها على مدى عقود طويلة. والمؤكد لا يحتاج إلى تأكيد، والثابت لا يحتاج إلى مديح يومي كي يبقى ثابتاً.
لا يعني ذلك التقليل من قيمة الكلمة الطيبة، ولا من واجب الامتنان للمملكة على ما قدمته وتقدمه للبنان. فالشكر واجب، وهو شعور صادق وعميق لدى كل من يدرك أهمية الدور السعودي في دعم الاستقرار اللبناني. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشكر إلى بديل عن المراجعة الذاتية، أو عندما يصبح ستاراً يحجب الأسئلة الحقيقية التي ينبغي على اللبنانيين أن يطرحوها على أنفسهم.
فما الذي تطلبه السعودية فعلياً من لبنان؟ لا تطلب أكثر من دولة طبيعية. دولة سيدة مستقلة على أرضها، لا مصانع كابتاغون فيها ولا شبكات تهريب تستهدف الأمن الاجتماعي العربي. دولة لا تحتضن سلاحاً ميليشيوياً يختطف قرارها السيادي ويضعها في مواجهة محيطها. دولة تحترم نفسها أولاً كي يحترمها الآخرون.
أما العلاقة المستقبلية مع المملكة، فلا ينبغي أن تُبنى على عقلية المستجدي الذي ينتظر العطاء، بل على منطق الشراكة وتبادل المصالح. السعودية الجديدة التي يقودها الأمير محمد بن سلمان لا تدير علاقاتها بمنطق الهبات السياسية أو المجاملات العاطفية. إنها دولة إقليمية كبرى تفكر بلغة الاستثمار والفرص والاستقرار والمصالح المتبادلة.
من هنا، فإن مصلحة لبنان لا تكمن في الإكثار من عبارات الامتنان، بل في بناء دولة قادرة على اجتذاب الاستثمارات والاستفادة من الفرص التي يتيحها الانفتاح العربي. فالسعودية تنظر إلى المنطقة بعين المستقبل، وتبحث عن شركاء في التنمية والاستقرار، لا عن محترفين في صناعة الخطابات.
وعندما ينجح لبنان في استعادة دولته وسيادته وقراره الحر، يصبح التعاون مع المملكة معادلة رابح ـ رابح، لا علاقة بين واهب ومتلقٍ. وعندها فقط، تستعيد العلاقة اللبنانية ـ السعودية معناها الحقيقي: شراكة بين دولتين عربيتين تجمعهما ذاكرة دافئة ورؤية مشتركة لمستقبل عربي يتجاوز زمن الملالي ومشاريع الفوضى والتخريب.