خاص- كيف يحاول حزب الله شدّ العصب الشيعي عبر اختراع أعداء في الداخل؟

في خضمّ الضغوط العسكرية والسياسية التي يتعرض لها حزب الله، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة إنتاج سردية تعبّئ البيئة الشيعية وتحافظ على تماسكها الداخلي. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الشائعات التي تُطلق بين الحين والآخر ضد شخصيات سياسية مسيحية سوى جزء من ماكينة منظمة هدفها استنهاض الغرائز الطائفية وإعادة رسم مشهد الصراع الداخلي.
آخر هذه الشائعات تمثّل في الكلام المنسوب زورا إلى النائب والمرشح الرئاسي السابق نعمة فرام، ومفاده أنه يدعو إلى سحب الجنسية اللبنانية من الشيعة وترحيلهم إلى إيران. وبصرف النظر عن الموقف السياسي من فرام، فإن هذا الكلام يتناقض كلياً مع شخصيته السياسية المعروفة بالهدوء والاعتدال، ويجعل الرواية أقرب إلى الفبركة منها إلى أي موقف حقيقي.
هذه الحملة ليست معزولة عن سياق أوسع سبق أن استهدف البطريرك بشارة الراعي، كما طاول أحزاباً مسيحية مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية، في محاولة واضحة لتصوير المسيحيين بوصفهم خصماً وجودياً للطائفة الشيعية.
السبب الرئيسي لهذا النهج هو أن الحزب لم يعد قادراً على تسويق سرديته التقليدية القائلة إن سلاحه يحمي الشيعة من إسرائيل. فالحروب الأخيرة خلّفت دماراً هائلاً في المناطق الشيعية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية كبيرة، ما جعل هذا الخطاب أقل إقناعاً داخل البيئة الحاضنة نفسها.
أما السبب الثاني، فهو أن أي تصعيد في الخطاب ضد إسرائيل يضع الحزب أمام استحقاق الرد العملي، في وقت يواجه فيه اختلالاً واضحاً في موازين القوى العسكرية والأمنية مع إسرائيل.
أمام هذا الواقع، يجد الحزب نفسه مضطراً إلى استبدال سردية “السلاح لحماية الشيعة من إسرائيل” بسردية أخرى عنوانها “السلاح لحماية الشيعة من أعداء الداخل”. وهنا يصبح المسيحي “مشروع فاشي”، والسنّي “مشروع تكفيري”، فيما يُقدَّم الحزب باعتباره الضامن الوحيد لأمن الطائفة.
المفارقة أن الحملات الإعلامية والتحريضية لا تركّز على دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو، رغم مسؤوليتهما المباشرة عن الضربات التي طاولت محور إيران من بيروت إلى طهران، بل تتجه في معظمها نحو الداخل اللبناني، وخصوصاً نحو الساحة المسيحية، بهدف استدراج ردود فعل متشنجة تعيد شدّ العصب الشيعي حول الحزب.
وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد أن يكون الحزب يبعث برسالة ضمنية إلى الخارج مفادها أن سلاحه المتبقي لم يعد يشكل تهديداً لإسرائيل، بل أصبح موجهاً أساساً إلى الداخل اللبناني، بما يضمن استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار.
من هنا، فإن الشائعات من نوع تلك التي استهدفت نعمة فرام لا تهدف إلى تشويه صورة الرجل فحسب، بل إلى إيصال رسالة سياسية أخطر: إذا كان سياسي معتدل وبعيد عن أية لغة متعصبة ومؤمن بالعيش المشترك كنعمة افرام يُصوَّر بهذه الصورة العدائية، فكيف سيكون موقف خصوم الحزب الأكثر تشدداً؟
إنها محاولة مكشوفة لاختراع أعداء داخليين وهميين، لإقناع الشيعة بأن الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل، وأن حزب الله وحده هو القادر على حمايتهم. وفي لحظة التراجع الاستراتيجي، يبدو أن الاستثمار في الخوف بات السلاح الأخير للحزب.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram