كتب أسعد نمّور لموقع Arab Files:
في الخامس والعشرين من أيار من كل عام، تُجبر الذاكرة اللبنانية على استهلاك سردية مقولبة، تُصوّر عام ٢٠٠٠ على أنه محطة النصر المطلق وعرس “التحرير” الأكبر. انسحب الجيش الإسرائيلي يومها من جنوب لبنان، فظن اللبنانيون – في لحظة نشوة عابرة – أن زمن الحروب قد ولى، وأن الدولة اللبنانية ستعود أخيراً لتبسط سيادتها المفقودة على كامل ترابها. لكن ما كُتب في كتب التاريخ الميليشياوي شيء، وما عاشه لبنان منذ تلك اللحظة شيء آخر تماماً.
لقد أثبتت ربع قرنٍ من الخراب أن ذلك اليوم لم يكن تحريراً للدولة، بل كان أكبر عملية سطو مسلح على قرارها ومؤسساتها، ولحظة استبدال احتلال عسكري واضح، باحتلال ميليشياوي داخلي مقنّع يدين بالولاء المطلق لطهران.
تحريرٌ أم “شيك على بياض”؟
بدل أن يكون الانسحاب الإسرائيلي إيذاناً بعودة المؤسسات الشرعية وتوحيد السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، تم تسييل هذا الحدث كـ “شيك على بياض” لصالح “حزب الله”. لقد احتكرت الميليشيا مشهد الانسحاب، وحولته إلى أصلٍ تجاري سياسي فرضت عبره معادلة مرعبة: “نحن حررنا الأرض، إذاً نحن نملك البلد”.
ولأن استمرار الميليشيا يتطلب الإبقاء على ذريعة السلاح، جرى اختراع مسألة “مزارع شبعا” بين ليلة وضحاها، لضمان بقاء الجبهة مفتوحة، ولبقاء فوهات البنادق مشرعة. وسرعان ما استدار هذا السلاح – الذي قيل إنه لتحرير الأرض – نحو صدور اللبنانيين في الداخل، لترهيبهم، وتغيير المعادلات السياسية بقوة النار، وتحويل العاصمة بيروت إلى مجرد صندوق بريد في خدمة المشروع الإيراني.
تصفية الساحة: تدمير أبناء الأرض لاحتكار المشهد
ولكي تكتمل مسرحية “البطولة الحصرية”، كان على الحزب أن يمحو أي سردية أخرى في الجنوب، وأن يُفرغ الساحة من أي نسيج محلي لا يأتمر بأمره. وهنا تتجلى أبشع فصول تزوير التاريخ في ما يخص قضية “الجيش اللبناني الجنوبي”.
لقد طُمست الحقيقة الأساسية عمداً: هذا التشكيل لم يكن في أساسه سوى لواءٍ من الجيش اللبناني، تخلت عنه دولته في أحلك الظروف، وقطعت عنه خطوط الإمداد تاركةً إياه وأهالي الجنوب فريسة للفوضى. وأمام خيار الإبادة أو الاستسلام، اضطر هؤلاء العسكريون للتقاطع مع إسرائيل بهدف البقاء والصمود في قراهم.
وما يفضح كذبة الميليشيا التي تدعي الدفاع عن طائفتها، هو أن ما بين ٧٠ و٧٥٪ من عديد هذا الجيش كانوا من أبناء الطائفة الشيعية نفسها. لم يواجه “حزب الله” هؤلاء في معارك عسكرية، بل عمد إلى تصفيتهم عبر زرع العبوات الناسفة والألغام في طرقاتهم لاغتيالهم غدراً. ومع حلول عام ٢٠٠٠، تُوّج “التحرير” المزعوم بأكبر عملية تطهير وتهجير قسري، حيث أُجبر الآلاف من هؤلاء وعائلاتهم على النزوح إلى إسرائيل، ليخلو الجنوب تماماً لصوتٍ واحد وسلاحٍ واحد ومسارٍ واحد يصب في خدمة ولاية الفقيه.
ثمار “التحرير”: حروب الوكالة ودمار القرى
اليوم، وعندما ننظر إلى حصاد هذا “التحرير” بعد مرور عقود، لا نرى سوى دولة منهارة، واقتصاداً مدمراً، وعزلة عربية ودولية خانقة. الجبهة التي قيل إنها حُررت، تُزج اليوم عنوةً في أتون حروب عبثية “نصرةً” لساحاتٍ أخرى لا تخدم سوى أوراق التفاوض الإيرانية.
التحرير الذي وُعدنا به، أثمر صواريخ تُطلق من بين منازل المدنيين، وتتساقط أحياناً بأخطاء كارثية على رؤوس الصامدين في قراهم، محولةً الجنوب بأكمله إلى حقل تجارب، ومحرقة لخدمة أجندات لا تمت للمصلحة الوطنية اللبنانية بأي صلة.
الدولة هي المحرر الوحيد
لا يمكن لأمة أن تحتفل بتحرير أرضها طالما أن قرارها مسلوب، ومؤسساتها مختطفة، وسلاحها خارج شرعيتها. ما جرى في عام ٢٠٠٠ كان استلاماً وتسليماً؛ خرج المحتل الإسرائيلي ليتمدد المرتهن الإيراني. إن التحرير الحقيقي والأخير الذي ينتظره اللبنانيون لم يأتِ بعد؛ إنه اليوم الذي يعود فيه السلاح حكراً للجيش اللبناني وحده، واليوم الذي يُطوى فيه زمن الميليشيات، ليُبنى على أنقاض هذه الأكاذيب وطنٌ سيدٌ حر، يتسع لجميع أبنائه، ولا يُدار بـ “الريموت كنترول” من وراء الحدود.