حرب مفتوحة… فرصة لبنان

بقلم هشام دبسي:
مقاربة المسار التفاوضي الذي انتهى في  العاصمة اسلام آباد باعتباره جزء من الصراع الدائر بي الطرفين، بأشكالٍ متعددة، يُعفينا من تقييمه وفق مزدوجة النجاح أو الفشل. بل يمكن تسليط الضوء على الحدث من زاوية اللقاء المباشر الأول بين الجمهورية الاسلامية و “الشيطان الأكبر” . بعد نحو نصف قرن من التصلب المَحْسوب ، وليس الايديولوجي فقط. إلا أن الإنجاز الأهم للطّرفين هو النزول السّلِس من أعلى الشجرة، و وقف الحرب المدمِّرة لإيران و المُكْلِفَة لأمريكا.

فكّ الحِداد

عنوان مقال لمن غادرنا مُبَكّراً المبدع سمير قصير ، في لحظة ” التحرير”، ودعوته لحزب الله ان يخلع السّواد ، لكنهم خلعوا عباءة الحِداد على أحبابه واصدقائه و البلد أيضاً .

لو كان سمير قصير معنا اليوم ، ربما كتب عن “قاليباف” أنه هو من فكّ الحِداد، و فتح منصّة المفاوضات أمام احتمال جَدّي للتفاهم مع نظيره الاميركي، ذلك لأن العرض الإيراني السَّخِيّ “لمُبادَراتٍ للمستقبل”، يُفيد بإمكانية انتقال الاقتصاد الايراني إلى الحضن الامريكي، لكنّ ترمب لا يشتري سمكاً ما زال في البحر ، بل يريد الامساك بالبضاعة المطلوبة بيده في الملف النووي ، باعتباره الملف المفتاحي لكل الملفات الاخرى. لذا حسب تصريح قاليباف “فشلت امريکا في کسب ثقة ایران” و هو تصريح  يعكِس العنجهيّة الايرانية ، لكن لو قلبنا الكلام على وجهه الآخر اي ” فشلت ايران فى كسب ثقة امريكا” لكان اقرب إلى الواقع.

على كل حال، ما جرى في الباكستان رَسَمَ الخطوط السياسية التفاوضية بوضوح، إنّه انجاز بحدّ ذاته ، و الانجاز الآخر هو تظهير الاولويات الأمريكيّة المختلفة عن الأولويات الايرانية، وهذه قضية تحتاج إلى المزيد من تعديل موازين القوى السياسيّة والاقتصاديّة و العسكريّة.  هذا ما نراه اليوم وسنراه أيضاً حتى موعد الجولة التفاوضية الثانية، وإن لم يُعلن عنها بعد.

مشتركات

اي مراقب لِما يدور من صراعٍ مفتوح بين واشنطن وطهران، يلاحظ بعض المشتركات في العقلية و السلوك بينهما مثل استخدام لغة متشابهة في مفرداتها و معانيها الفوقيّة و سلوك الاستعلاء واستحضار ماضٍ لا يمكن ترجمته في تعديل نسبة القوى من الجانب الإيراني، وما يشبه هذه اللغة في البيت الابيض مع فارق القدرة على التحشيد.

و ثمّة مشترك آخر يجمعهما و هو السّعي إلى مُراكَمَة القوة في الاقليم ، ولو على حساب الدول الاخرى او على حساب الجماعات المُوالِية نفسها ، في محاولةٍ لإجبار دول الاقليم على قبول متطلبات طهران، او التعايش معها. وهذا ما تفعله ايضاً واشنطن من خلال تابعها الاسرائيلي و لغته الموازية وسلوكه العملي.

والمهم أيضا أن الطرفين يستنزفان الوسائل القانونية والدبلوماسية، و يذهبان معاً لتجاوزها ، على حساب الهيئات الدولية و دول المنطقة والعالم أجمع، مهما كانت الوسيلة قذرة لتنفيذ الاهداف المعلنة، كما شهدنا ونشهد على مدار الساعة.


بالخلاصة، نحن إزاء ثُلاثي التّطرّف (امريكا، اسرائیل، ایران) ثُلاثي لا يردعه شيء عن الوصول إلى أهدافه المباشرة والبعيدة ، أيّاً كانت الأكلاف البشرية والاقتصادية وهذا ما تدفع ثمنه الدول العربية عامّةً و فلسطين و لبنان على وجه الخصوص.

فصل المصلحة

مبادرة الرئيس جوزاف عون و قرارات حكومة الرئيس نواف سلام، شكّلا معاً انعطافة تاريخية في مسار تصحيح دور السلطة اللبنانية السياسي- السيادي ، وحمايتها للوطن و الشعب و الدولة. مبادرة أدّت إلى فصل المصلحة الوطنية اللبنانية عن أي إرتباط خارجي ، وإعادة إنتاج نظام المصلحة اللبنانية وفق ما ترتضيه الغالبية الساحقة من الشعب و نوّابه و احزابه . وكذلك سَدَنِة العائلات الروحية المشكّلة للخصوصية اللبنانية ، بما يجعل خروج حزب عن هذا الاجماع أو معارضته لنظام المصلحة ، مسألة تحتاج لمعالجة تنسجم مع الهدف النبيل المُرتَجى، من دون السماح بأي إعاقة لمسار هذه المبادرة التاريخية. واذا كان اليوم يُذَكّرنا بلحظةٍ أليمة أرّخت للحرب الأهلية في لبنان ، فإنّ ما جاء في كلمة رئيس الوزراء، حول المرجعيّات المعتمدة لِصَوْن السلم الأهلي، هي المعيار الذي يُرَشِّدْ الجميع إلى مفاتيح الحل وليس أي مقاربة أخرى تنتمي للغة الحرب و السلاح المنبوذة من غالبية الشعب اللبناني ومعه مجتمعات اللجوء أيضاً من فلسطينيين وسوريين وغيرهم، وعلى هذا التقدير شواهد لا داعي لذكرها.

 و عليه تبدو سياسة البيت الأبيض من خلال الضغط على حكومة نتنياهو قد أدركت أهمية المبادرة الرئاسية وضرورة معالجة الملف اللبناني ، بعيداً عن المفاوضات الجارية مع ايران.

كما أن المبادرة الرئاسية مكّنت المملكة العربية السعودية و مصر وفرنسا و اصدقاء لبنان الكُثُر من بريطانيا إلى أستراليا ، التحرّك في الاتجاه نفسه ، بما يدعو للاطمئنان أن المعركة التفاوضية المقبلة مع اسرائيل ، لن يكون لبنان فيها بلا قدرات تمكّنه من حماية مصالحه الوطنية. و أن التفوق العسكري الاسرائيلي ، ليس هو العنصر الحاسم في كل شيء، و أن احتلال ارض الجنوب، لا يعطي حكومة اسرائيل ما تريد و ما ترغب به و هو كثير كما يصرّح جنرالاتها. لأن الفضاء السياسي اللبناني و حُسن التّدبير أكبر وأكثر غنى و اتّساع من العقل الاسرائيلي المتطرّف و هو يُكيل دائماً بميزان القوّة والقوّة المفرطة فقط.

حماية السِّلْم الأهلي

في هذه الأيام العَصيبَة والصّعبة يحتاج لبنان إلى أعلامه الكبار من نساءٍ و رجال من كافة الطوائف كي تتقدم الصفوف ، من أجل إنقاذ الناس والوطن معاً ، و أفترض أن الانسان الرائع،الذي غادَرَنا مُؤخّراً، محمد حسين شمس الدين و لَحِقَ بتوأم روحه البيك الاحمر سمير فرنجية لقال الآن جملةً واحدة: لا بدّ من عقد مؤتمرٍ وطنيٍّ شامل لحماية الشعب والوطن على قاعدة تحقيق العدالة و نبذ العنف. ولا بد من دعوة الجميع سواسيةً بصفتهم أفراد في هذا الوطن يتشاركون مصيرهم فيه و يصنعون مستقبل ابنائهم ، ويضعون حدّاً للحرب المفتوحة حتى يبقى لبنان منارةً عربيةً شرق اوسطية عالمية.

حقّاً: انها فرصة لبنان.. لمن يجرؤ.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram