بين وهم التقسيم الجغرافي وضرورة تقسيم السلطة: الخصخصة الشاملة كبديل لكانتونات الخوف في لبنان
يصطدم النقاش المتصاعد في الأوساط المسيحية اللبنانية حول خيار “التقسيم” — بوصفه مخرجاً نفسياً وسياسياً من أزمة انهيار الشراكة الوطنية الخوف والتعب — بعوائق ديموغرافية واقتصادية تجعله غير قابل للتطبيق على أرض الواقع اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي.
استحالة الفصل الجغرافي والاقتصادي:
إن الهوية السياسية الطائفية المعاصرة (السنية، الشيعية، الدرزية، والمسيحية) لم تعد كتلًا صماء قابلة للفرز على الخريطة؛ فالتقسيم يفترض جغرافيا واضحة واقتصاداً مستقلاً ومؤسسات قادرة على الحياة، وهو ما يفتقده الواقع اللبناني المتداخل بشكل معقد. أي محاولة لترسيم حدود جديدة اليوم لن تنتج حلاً، بل ستنقل النزاع من أروقة الدولة المركزية إلى حدود الأديان والطوائف، مخلّفةً:
• أقليات جديدة خائفة داخل الكيانات المستحدثة.
• خطوط تماس داخلية مشتعلة ومتنازعاً عليها.
• صراعات مستدامة على توزيع المياه، الكهرباء، المعابر، المرافئ، والمطار، فضلاً عن تقاسم الديون والضرائب.
المركزية كآلة للنهب والابتزاز:
المشكلة الجوهرية في لبنان لا تكمن في هوية من يجلس على رأس السلطة، بل في طبيعة “الدولة المركزية” الفاشلة التي تحولت إلى ما يشبه مقبرة مالية وآلة للابتزاز والزبائنية السياسية. فالمرافق الحيوية — من كهرباء، واتصالات، ومرفأ، وجمارك، وضمان اجتماعي، وجامعة وطنية — جرى تحويلها من خدمات عامة إلى أدوات سيطرة واحتكار بيد الميليشيات والقوى النافذة لتغذية الاقتصاد الموازي وشبكات المصالح العابرة للحدود.
الخصخصة الشاملة هي الحل البديل:
إن البديل العملي لتقسيم البلاد جغرافياً هو تقسيم سلطة الدولة على المجتمع حتى الصفر تقريباً، من خلال استراتيجية اقتصادية ليبرالية تفكك آلة الفساد المركزية:
• الخصخصة الشاملة للمرافق: إنهاء احتكار الدولة لقطاعات الطاقة، والمياه، والنقل، والاتصالات.
• فتح الأسواق وتحرير الاقتصاد: إخراج المواطن من “سجن الإدارة المركزية” ومنع القوى السياسية من استخدام لقمة عيش الناس كأداة ابتزاز.
• تقليص دور الدولة: حصر مهام السلطة المركزية في الحد الأدنى من التنظيم والرقابة، بدلاً من إدارة حياة المواطنين اليومية.
بينما يكتفي التقسيم برسم حدود جديدة للخوف وتثبيت سلطة الميليشيات في كانتونات معزولة، فإن تقليص حجم الدولة وتوسيع رقعة السوق الحر يضمن كسر حلقة الفساد؛ فلبنان لا يحتاج إلى إعادة رسم خرائطه، بل يحتاج إلى دولة أصغر، سوق أوسع، ومواطن حر.