بعد خسائر الحرب: هل تعيد إيران هندسة دور حزب الله؟

طرح تقرير جديد نشره موقع “إرم نيوز” الإماراتي تساؤلات جوهرية حول إمكانية قيام طهران بـ”إعادة ضبط وظيفة حزب الله في لبنان”، لا سيما في خضم الحرب القاسية التي يخوضها الحزب ضد إسرائيل.

ويشير التقرير إلى أن دور “حزب الله” لم يعد يُقرأ اليوم بمجرد كونه ذراعاً عسكرية ضمن النفوذ الإقليمي الإيراني، بل دخل في صلب معادلة معقدة تحكمها حسابات “الكلفة والعائد” في ظل الضغوط المتزايدة على طهران. وتجد إيران نفسها أمام اختبار استراتيجي دقيق يكمن في كيفية الحفاظ على الحزب، الذي يُعد من أهم أصولها، من دون تعريضه للاستنزاف أو الخسارة.

إعادة تقييم لا تعني التخلي

يوضح التقرير أن هذا التحول في المقاربة الإيرانية لا يعني التخلي عن الحزب، بل هو “إعادة تقييم دقيقة لوظيفته” فرضتها خسائر الحرب الأخيرة والتغير الجذري في طبيعة المواجهة. فإيران لا تنظر إلى “حزب الله” كحليف تقليدي فحسب، بل تعتبره منظومة ردع متكاملة وخط دفاع متقدم خارج حدودها الجغرافية.

وتتقاطع هذه الرؤية مع تحليلات “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، التي تعتبر الحزب أحد أبرز أدوات التوازن الإقليمي لطهران، سواء في مواجهتها المفتوحة مع إسرائيل، أو في إدارتها غير المباشرة لملفات التفاوض مع الغرب.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية، محمد يوسف النور، أن “إيران لا تتعامل مع حزب الله كأداة استخدام فوري، بل كأصل استراتيجي يجب الحفاظ عليه لتحقيق أعلى عائد ممكن على المدى الطويل”، مشدداً على أن الحزب يمثل ركيزة أساسية وورقة ردع متقدمة في منظومة النفوذ الإيراني.

خسائر غير مسبوقة وتغيير في التكتيك

رغم الأهمية الاستراتيجية للحزب، كشفت الحرب الأخيرة عن ارتفاع باهظ في كلفة الحفاظ على هذا “الأصل”. فقد تلقى “حزب الله” ضربات قاسية طالت بنيته العسكرية والقيادية. وفي هذا الإطار، تشير تحليلات “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” إلى تراجع ملحوظ في قدرة الحزب على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.

ويلفت النور إلى أن الضربات التي تعرض لها الحزب “فاقت توقعاته”، وشملت اغتيالات طالت صفوف القيادة واختراقات أمنية عميقة، مما رفع كلفة بقاء الحزب بشكله التقليدي إلى مستويات غير مسبوقة. هذا الواقع الدقيق وضع القيادة الإيرانية أمام معادلة حساسة: الحفاظ على الحزب كأصل استراتيجي، وتجنب زجه في معارك غير محسوبة قد تؤدي إلى استنزافه بالكامل.

هيكلية مرنة وإدارة حذرة للتصعيد

بناءً على هذه المعطيات، تتجه إيران نحو إعادة ضبط كيفية استخدام “حزب الله” بدلاً من تقليص دوره. ويكشف النور في هذا الصدد أن “طهران هي التي طلبت من الحزب عدم الانخراط الكامل في حرب الـ12 يوماً عام 2025، في محاولة للحفاظ على قدراته لمعركة أكبر”.

وتنسجم هذه الخطوات مع تقديرات “المجلس الأطلسي”، التي رصدت تحولاً إيرانياً نحو إدارة أكثر حذراً للأذرع الإقليمية، تعتمد على استراتيجية منخفضة الكلفة وتتجنب الانزلاق إلى حروب شاملة. ويضيف النور أن طهران تسعى لاستخدام الحزب “كورقة ضغط مستمرة ضمن سقف تصعيد مضبوط، يحقق مكاسب دون المخاطرة بخسارته”.

عملياً، تُرجمت هذه المقاربة على الأرض؛ إذ تشير تحليلات غربية إلى أن طهران دفعت نحو إعادة هيكلة داخلية لـ”حزب الله”، ركزت على تعزيز الجانب الأمني وتفكيك البنية التقليدية وتحويلها إلى خلايا أصغر وأكثر مرونة. ويؤكد النور أن الحرس الثوري الإيراني أرسل مستشارين لإعادة تنظيم الحزب وبناء قدراته بما يحاكي “المراحل الأولى لنشأته”، لينتقل من نموذج “القوة الصلبة” إلى نموذج مرن قادر على التكيف مع الضربات والعمل في بيئة معقدة.

“المنفعة الحدية”.. معادلة المرحلة المقبلة

في جوهر هذا التحول الاستراتيجي، تبرز فكرة “المنفعة الحدية”. فالسؤال بالنسبة لإيران لم يعد حول أهمية الحزب، بل حول المدى الذي يبقى فيه مردوده أعلى من كلفته.

ويجزم النور بأن “إيران تدرك أن خسارة حزب الله تمثل كارثة استراتيجية، لذلك لن تتخلى عنه، لكنها تعيد تقييم كيفية استخدامه بدقة أكبر”. وتدعم تقديرات وكالة “بلومبرغ” هذه القراءة، مشيرة إلى أن الضغوط الاقتصادية الخانقة تجبر طهران على مراجعة دقيقة لتوزيع مواردها بين الداخل وأذرعها الخارجية.

ويخلص تقرير “إرم” إلى أنه لا يوجد تحول جذري في موقع “حزب الله” ضمن الاستراتيجية الإيرانية، بل “إعادة تقييم هادئة” لوظيفته. فإيران لا تزال بحاجة ماسة للحزب كأداة نفوذ وردع، وتسعى عبر هذه المعادلة الجديدة إلى الموازنة بين الضغط العسكري والاعتبارات السياسية والاقتصادية. ومع استمرار الحرب، يتضح أن طهران تعيد النظر في كيفية استثمار “حزب الله”، وهو ما سيحدد ملامح الدور الذي سيلعبه الحزب في لبنان والمنطقة خلال المرحلة المقبلة.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram