يوليو 26, 2026
أخبار لبنان الرئيسية

 الياس الحويك طوباوي صنع “وطن الرسالة”

 الياس الحويك طوباوي صنع "وطن الرسالة"

انسانية الانسان سر عظمة لبنان مجددا…فهل نستعيدها؟

لا يمر كل الرجال في التاريخ… لان بعضهم فقط يصنعونه بعد ان يتخذ الله من قلوبهم مسكنا… والبطريرك  الياس الحويك هو من هذه القامات التي حوّلت الإيمان إلى رسالة خلاص للإنسان والرجاء إلى مشروع وطن وجعلت المحبة أساسا لكيان ما زال يحمل رسالة تتجاوز حدوده الجغرافية.

سيقف لبنان والعالم في باحة الديمان وعلى شرفة وادي القديسين بفيء ارز الرب محتفلين بالطوباوي الجديد ورافعين راية قداسة ونضال اجيال عبرت وتركت وراءها مسيرة تضحيات وتعلق بالارض والقيم وانبتت ايمانا  يقهر الصعاب ويزرع املا بمستقبل واعد ورفع نجمة حلقت عالية في سماء لبنان والعالمين العربي والدولي.

ان تطويب الحويك ليس تكريمًا لشخصية تاريخية فحسب بل دعوة متجددة لقراءة حاضرنا على ضوء حياته وعندما تعلن الكنيسة أحد أبنائها طوباويًا فهي لا تستحضر الماضي بدافع الحنين بل تقدّم للعالم شاهدًا يؤكد أن القداسة قادرة على تغيير التاريخ.

وقد رأت الكنيسة في الحويك مثالًا للفضائل الإنجيلية التي عاشها ببطولة بعدما غدت حياته شهادةً اثبتت ان الإيمان الحقيقي يثمر في الكنيسة والمجتمع معًا.

كانت صلاة الحويك مصدر قوته ومنها انطلقت رؤيته للإنسان وهو لم يرَ في اللبنانيين طوائف أو جماعات متنافسة بل أبناءً لله متساوين في الكرامة والحقوق.

 وفي سنوات المجاعة والحرب العالمية الأولى فتح أبواب الكنيسة أمام الجائع والمريض والخائف مؤكدًا أن الإنجيل ليس كلمات تُتلى بل محبة تُترجم أفعالًا وواجه الظلم والاستبداد مدافعًا عن الحرية وكرامة الإنسان لأن الإيمان لا يساوم على الحق.

يختصر كثيرون إرث الحويك بصفته “أب لبنان الكبير” لكن رؤيته كانت أعمق من رسم حدود جديدة فقد أراد وطنًا يقوم على الحرية والعدالة والشراكة ويحتضن جميع أبنائه في ظل دولة تحترم الإنسان وتصون حقوقه وهو لم يرَ في التنوع الديني والثقافي مصدر ضعف بل ثروة وطنية ورسالة حضارية تثبت أن الاختلاف يمكن أن يكون أساسًا للوحدة لا سببًا للانقسام.

وهذه الرؤية هي التي انطلق منها لاحقًا البابا القديس يوحنا بولس الثاني عندما قال: “لبنان أكثر من وطن إنه رسالة حرية ونموذج للتعددية للشرق كما للغرب”.

لم يكن لبنان في فكر الحويك مشروع سلطة بل مشروع إنسان ودولة قانون وفضاءً للعيش المشترك حيث يلتقي المختلفون في ظل الحرية والاحترام المتبادل.

ويأتي تطويب الحويك اليوم بينما يمر لبنان بواحدة من أصعب مراحله

 واليوم يستعيد اللبنانيون إرث الحويك ليس كونه ذكرى تاريخية فقط بل باعتباره دعوة إلى التمسك بالقيم التي قام عليها لبنان الكبير: السيادة والحرية والاستقلال واحترام الدستور وبناء دولة عصرية عادلة تكون المرجع الوحيد لجميع مواطنيها وتصون كرامة الإنسان وتساوي بينهم أمام القانون وتكرس التعددية وتوفر لابنائها افضل فرص التطور والاحترام والعيش الكريم والتسامح والانفتاح والكرامة…

دولة تضع حدا للفساد والافساد والارتهان وتسلط الظلم واهدار الحقوق واضاعة فرص تحقيق العدالة و تعيد الانسان الى ثقافة الحياة والوصل وتسقط نمط الموت والتفرقة والحقد والشرذمة وتعيد بلاد الارز حرة محررة من اعداء الداخل والخارج و…

تطول اللائحة التي تعيد لبنان منارة الشرق وسويسرا المنطقة وليس في هذا الكلام اي مبالغة فها هم المنتشرون يرفعون راية لبنانهم وانسانهم وتراثهم وثقافتهم ابداعا بما يثبت للمرة المليون واكثر ان اللبناني سيعطي ما يدهش العالم ان توافرت له البيئة الطبيعية لبلد مستقر ومتطور يحكمه القانون وهذا ما يليق ببلاد الارز وشعبها.

إن مسيرة إنقاذ لبنان قد بدأت وهي فرصة وطنية ينبغي أن نتكاتف حولها بعيدًا من المصالح الضيقة والانقسامات التي أوصلت البلاد إلى هذا الدرك فالوفاء للحويك لا يكون بالاحتفال بتطويبه فقط بل بالتزام رسالته في بناء وطن سيد وحر ومستقل وقوي بدولته ومؤسساته ومنفتح على محيطه والعالم ومتمسك برسالته الإنسانية والحضارية.

آمن الطوباوي بأن بناء الوطن يبدأ ببناء الضمير وبأن السياسة تفقد معناها إذا انفصلت عن الأخلاق وبأن الإيمان الحقيقي يقود دائمًا إلى خدمة الإنسان وهذه الرسالة تبقى اليوم حاجة للبنان والعالم على حد سواء في زمن تتسع فيه الانقسامات ويزداد الخوف من الآخر.

إن تطويب الحويك ليس خاتمة سيرة رجل عظيم بل بداية رسالة تتجدد جيلا بعد آخر… انها رسالة لبنان الكبير التي ساهم في ولادتها وهي لا تزال قادرة على قيادة اللبنانيين نحو مستقبل يليق بتضحياتهم إذا استمروا أوفياء لقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ومؤمنين بأن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملك من نفوذ بل بما تحمله من رسالة وبقدرتها على جعل الإنسان كل إنسان محور الدولة وغاية وجودها.

ما احوج لبنان اليوم الى عظماء امثال الحويك والبطريرك الكبير مار نصرالله بطرس صفير ومثلهما كثر في الايمان والانسانية والسياسة والاقتصاد والفكر والعطاء…

بعد 106 سنوات على اعلان دولة لبنان الكبير وفي مئوية ولادة الدستور اللبناني وبعد عقود على بصمات اللبنانيين في اعلان شرعة حقوق الانسان…ليكن تطويب الحويك دافعا جديدا لتجديد العهد بانسانية الانسان التي وحدها تبني الفرد والمجتمع والاوطان وتزيل الاصوليات والتطرف والاخطار المحدقة بنا من كل حدب وصوب وتقدم نموذجا جديدا للعالم يحتذى به.